تأملات في محنة " الإنسان الفارغ "


يمضي كثير من الناس أوقاتهم في فراغ ، تجدهم في صالات الانتظار يجلسون الساعة والساعتين بله الساعات الطوال = ينتظرون مرسوماً أو معاملة أو مراجعة تخصهم بلا شيء يفعلونه ، ولا فائدة يستفيدوها ...
في تلك الحقبة الزمنية ستجد الحالات التي يمضيها(الإنسان الفارغ) متقلبة ما بين فضول النظر وفضول الكلام وفضول الاستماع ، فضلاً عن شرب الدخان، والتثاؤب والسرحان .
أتألم كثيراً حين أجد (الإنسان الفارغ) يبقى بلا شيء في ساعات الانتظار ، أو صالات الاستقبال، أو سيارات الأجرة ، أو أوقات السفر ، فتجد الملل يتسرب إلى دواخل نفسه، والطفش يلمُّ به وقد يدري بذلك وقد لا يدري.
بينما نجد قبالة الفارغين، أولئك القوم المهتمون بأوقاتهم من العلماء والمصلحين والمفكرين، وحينها سنشعر حتماً أنَّهم ما كانوا يضيعون ثانية تضيع من أوقاتهم هدرا ، فذاك يطلب من ابنه أن يقرأ عليه كتاباً وهو في داخل الخلاء (دورة المياه) وذاك يقرأ وهو يمشي حتى إنَّه قد ارتطم بجدار فمات أو سقط في حفرة وهو لا يشعر، وذاك يؤلِّف كتباً وهو في السفر ويخرج كتابين من أروع ما ازدانت بها رفوف المكتبات (بدائع الفوائد) و( زاد المعاد) ، وذاك يمضي وقته في الاستغفار والتسبيح، وآخر يسجن فيؤلِّف كتاباً حافلاً في الفقه الحنفي، ورجل يسجن فيجلس لتعليم الناس أمور دينهم ...
إنَّها أوقات قد تكون ضائعة إن لم تستغل، إلاَّ أنَّ المفلحين الذين يعرفون أنَّ للوقت قيمة كبيرة، لن يضيعوه يذهب هباءً ، ذلك أنَّهم يعلمون بأنَّ الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وأنَّ الإنسان إن لم يستغله بالعمل والبناء والقراءة والدعوة والعبادة والذكر، فسيتندم على وقت يفوته ولات ساعة مندم.

ليت أنَّ الوقت يباع ويشترى
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اغتنم خمساً قبل خمس، وذكر منها فراغك قبل شغلك } أخرجه الإمام أحمد، والنسائي والحاكم و صححه .
في زمن ماضٍ كنت أقرأ في ذكريات الأديب الأريب علي الطنطاوي ـ صبَّ الله عليه من شآبيب برِّه ـ فذكر عن الشيخ جمال القاسمي ـ عليه رحمة الله ـ أنَّه مرَّ بشباب يلهون ويضيعون أوقاتهم بالحرام فقال : ليت أنَّ الوقت يباع ويشترى لاشتريت منهم أوقاتهم !!
إنَّ الوقت درَّة ثمينة ، وساعة ستفوت ، ونبتة قد تذبل ، وسعة قد تضيق ، فإن لم نحسن استغلاله فسيأتينا اليوم الذي نسأل فيه عن وقتنا وعمرنا فيما أفنيناه ، ونشعر عندها بكمية الوقت الهائل الضائع الفائت الذي لم نستغله أحسن استغلال.
وبناء على ذلك فنحن نستطيع أن نستغل وقتنا الضائع بقراءة آية ، ومذاكرة حديث، واستغفار، وتسبيح، وتهليل، وصلاة، ودعوة، وقراءة، وتعليم وتعلم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، فسنشعر حينها بطعم البركة في أوقاتنا .
باستغلال أوقاتنا الضائعة نستطيع أن نحل مشاكل البطالة، بخدمة الناس، والسعي على الرزق ولو بالبسيط، والمشاركة في حل هموم المساكين والفقراء مع الجمعيات الخيرية .
باستغلال أوقاتنا نستطيع أن نستمع إلى دروس علمية، تشرح الكتب الطويلة عبر مسجِّل السيارة بدلاً من السرحان وسذاجة التفكير.
باستغلال أوقاتنا نحاول أن نكون أشدَّ إصراراً على عدم تضييع ثانية من الإجازة الصيفية، وقد أخطأ من قال عنها عطلة فلا شيء في دين الإسلام اسمه عطلة وإنَّما راحة، والراحة تكون عبادة كذلك حين تكون النية للتقوي على طاعة الله.
باستغلال أوقاتنا نبتعد عن الروح الفوضوية ونشعر بأنَّنا منظمون، وحينها لا نشعر بوقت ضائع، ولا بعمل فائت.
باستغلال الأوقات تحاول المرأة وهي تطبخ وتعدُّ الطبيخ أن تستمع لشريط قرآن أو دروس أو محاضرات، أو تلهج بالذكر والاستغفار.
باستغلال الأوقات نستطيع أن نتفكر في مخلوقات الله ، أو نفكِّر تفكيراً إيجابيَّاً في التخطيط لأعمالنا، فكم من فكرة خطرت في الوقت ، ينتفع بها المرء فيما بعد انتفاعاً عجيباً.

حدَّث الإمام ابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر بأنَّ هناك زوَّاراً ثقلاء كانوا يأتونه بكثرة، ولم يستطع أن يخرجهم من بيته، فكان يقطِّع الورق في ذاك الوقت الذي يأتيه فيه أولئك الثقلاء، ويبري الأقلام حتَّى إذا خرج الزوَّار شرع في التصنيف والتأليف والكتابة بأقلامه بتلك الأوراق التي قطَّعها فيكون وقته قد استغلَّه بما ينفعه فيما بعد.
وكان العلاَّمة الفقيه ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ يشرح لتلاميذه وطلاَّبه بعض المتون العلمية، وهو يمشي من بيته لمسجده الذي يؤمُّه، حيث كان بين المسجد وبين بيته مدَّة عشر دقائق، فكان يستغل هذا الوقت في شروح بعض المتون العلمية المختصرة، وأنجز شرح عدد من المتون في ذلك .

وسرُّ الاهتمام بالوقت أنَّ له عدَّة خصائص منها : سرعة انقضائه وأنَّ ما مضى منه لا يفوت وأنَّ الوقت أثمن ما لدى الإنسان، فالمسلم إذاً لا يعرف الفراغ؛ لأنَّ الوقت أغلى من الذهب فهو الحياة بكاملها، والمسلم حين ينتهي من شغل معيَّن يشرع في شغل آخر، ويذبح الفراغ بسكين العمل، ولهذا كان سلفنا الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ يولون للوقت عناية خاصَّة، فهاهو الحسن البصري ـ عليه رحمة الله يقول ـ : ( لقد أدركت أقواماً كانوا أشدَّ حرصاً على أوقاتهم من حرصكم على دراهمكم ودنانيركم ) وَوُصف رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بأنَّه لا فراغ لديه في وقته كما تقول عائشة : (ولا رئي قط فارغاً في بيته) صفة الصفوة(1/200).
ولكنَّ الوقت الآن وللأسف صار عبئاً على كثير من الناس ، وصار كثير منهم يقول : ( تعال لنقطع الوقت) إلى غير ذلك من الكلمات التي تدل على رخص الوقت عند هؤلاء المساكين، الذين لم يعرفوا قدر أوقاتهم، وصدق من قال: من علامة المقت إضاعة الوقت.
لقد أصيب كثير من أبناء وبنات المسلمين بنوعية عجيبة في الانتحار الجماعي عن طريق هدر الأوقات في الأمور الفارغة ، ما أدَّى بهم الحال إلى أن ينشغلوا بالتوافه أو الأمور المحرمة ، ورحم الله الإمام الشافعي إذ يقول : ( إذا لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل)
فالفطن إذاً يستغل وقته ويعلم حقيقة ما خلق له، والخاسر من يتهاون به ويشغل نفسه بالحرام والباطل، وقد نقل عن أحد العلماء أنه قال : (من أمضى يوما من عمره في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجلة أثَّله أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم اقتبسه فقد عق يومه وظلم نفسه).

وأخيراً : رحم الله الإمام ابن هبيرة حين قال :

والوقت أنفس ما عنيت بحفظه *** وأراه أسهل ما عليك يضيع



منقول للفائدة