المتابع لما يجري في السودان يتملكه العجب لسلوك حكومته الغريب والمريب. رأينا على مر العصور أن المتغلب المنتصر يفاوض المهزومين ليملي عليهم شروطه، ويمتنع عن التفاوض إن لم يطمع في تحقيق مزيد من المكاسب عن طريقه، لكن المتحكمين فينا لفرط حنكتهم وأهليتهم لقيادة البلاد أتوا بما لم يأت به الأوائل، ولا يخطر على بال الأواخر.


أتى انقلاب الرئيس عمر البشير لأن الحكومة السابقة فرطت في البلاد وأضعفت الجيش فسقط جل الجنوب وكادت أن تسقط كادوقلي. جيشت الحكومة المنقذة الشعب فاستبسل في الدفاع عن البلاد، فلما كاد أن يجلي المتمردين منها، لجأت الحكومة الهمامة للتفاوض لتفرض السلام الشامل فذهبت لتفاوض وفي يديها جل الجنوب ورجعت ويداها منه صفراً، ودماء الشهداء الذين تركوا قاعات الدرس، وساحات العمل لما تجف! لا تعجبوا يا سادة فذهاب الجنوب سيضمن تطبيق الشريعة في الشمال العربي، وسيقلل من الجريمة، ما أعظم المكاسب، وما أدهى الساسة!

انتهى موضوع الجنوب وانفجر اللغم الأول من ألغام نيفاشا (أبيي). مدت الحكومة حبل الصبر مع احتفاظها بحق الرد، حتى إذا لم يردتع المتمردون وتطاولوا في غيهم، واليونميس تتفرج، والولايات المتحدة تنزعج وتقلق وتتفرج كذلك ولا يرتجى منها غير هذه الثلاثية غضب الرئيس وزمجر واكتسحت قواته أبيي وغسلت العار وحل مجلسها وإداراتها الخمس وقال بالنص: "أبيي سودانية وهي أرض شمالية ولا يمكن أن يخرج الجيش منها."
بعد بضعة أيام فقط قال وزير الدولة برئاسة الجمهورية أن الجيش سيبقى في أبيي حتى ترتيبات أمنية جديدة!
وهي الآن تسلم خالصة للفيالق الإثيوبية التي ستدخلها تحت مظلة الأمم المتحدة بموجب الفصل السابع، وهذا يعني أنها ستدخل ولن تخرج إلا بأمر من أدخلها وعلى الحكومة أن تغسل يديها منها جيداً وتجففهما وتنتقل للمرحلة التالية!


صرفت الحكومة المليارات من خزانة الشعب السوداني الذي أجاعته وأفقرته وأذلته ليفوز أحمد هارون بالانتخابات في جنوب كردفان، فلما فاز، وقاتلت الحكومة المهزوم عبد العزيز الحلو حتى صار هائماً على وجهه في البراري كما صرح أحد المسئولين، ومات مئات المدنيين المساكين، وروعوا وفقدوا ما تبقى عندهم من حطام، طار مساعد الرئيس لنيفاشا ليوقع على اتفاق إطاري مع الحركة الشعبية قطاع الشمال يتعلق بالشراكة السياسية بينهما في جنوب كردفان والنيل الأزرق! "دون المساس بالمباحثات الثنائية بين الطرفين حول القضايا التي تطرح عبر المشورة الشعبية، فإن المشورة الشعبية يجب ان تمتد الى ما بعد التاسع من يوليو عبر الإتفاق من خلال المجلس الوطني”. فحكومتنا لا تجهز على الضحية من ضربة واحدة لذا لابد أن تبقى روح الإقليمين المضحى بهما معلقة في الحلقوم إلى ما بعد التاسع من يوليو لتستلها المشورة الشعبية!


أما مأساة دارفور التي أفرزت التشرد والموت والفقر واستنزاف الاقتصاد والعزلة الدولية وكل ما يمكن أن يحل بأي بلد من مصائب، فلم تستثنها الحكومة من هذه الخطوات المشئومة! الرئيس يقسم بأغلظ الأيمان بأنه لن يسمح للقوات الدولية بالدخول، ثم يذهب أعضاء حكومته للتفاوض لتأتي القوات المحتلة من شتى أصقاع الدنيا! وتأتي معها المنظمات التنصيرية والمشبوهة، وتبقى الرعية المنكوبة في الإقليم تحت رحمتها، والحكومة تتفرج وتفاوض وتتلفت بحثاً عن الهدف التالي!


باختصار الخطوات المحفوظة لجدول أعمال حكومتنا غير الرشيدة طبعاً هي:
• تهديد ووعود الصقور، مع ملاحظة التناسب الطردي بين الوعيد والتهديد والتنازلات التالية، فالمطلوب رفع الصوت للتغطية على المصيبة التالية.
• صرف المليارات من الخزينة العامة لمسح العار، ورد الاعتبار.
• تفاوض الحمائم السياسية المحنكة وتقديم كل ما يمكن من تنازل دون مقابل! ولا عزاء في المال المهدر، ولا الوطن المضيع!
• خرق الآذان بالحجة الجاهزة كلما تململ الناس من هذه الغدرات المتكررة بأننا تعرضنا لضغط شديد، وتنازلنا فقط هو الذي حمى البلاد من غزوة أمريكية كما حدث في أفغانستان والعراق!
• الانتقال للولاية أو الولايات التالية!


السؤال الذي يدور في ذهن كل عاقل: لمصلحة من يعمل المتحكمون فينا؟ وعند أي حد ستتوقف عملية الشد والتقطيع؟! لم لا يختصر الجهد والوقت والمال والدماء ويسلم السودان دفعة واحدة لما يسمى بالحركة الشعبية أو امريكا أو "إسرائيل" أو أي طامع سواهم؟ إذا كانت هذه هي النتيجة النهائية فأجهزوا على البلاد بضربة واحدة وأريحوا الشعب المسكين! وما الفرق بين ما يحدث في السودان وما حدث ويحدث في أفغانستان والعراق؟! إن وجدت أمريكا من يكفيها مؤونة إرسال جيوشها واستنزاف اقتصادها فما حاجتها لغزو السودان؟ أو تظن الحكومة أن كل حكومات الدنيا لا يرتجى منها غير بعثرة الأموال وإزهاق الأرواح دون مقابل؟! أم أن الثلاثي؛ صقوراً، وحمائم، ومتمردين، كلهم يعملون بتناغم مدروس لا يملكون الشذوذ عنه للوصول لهدف واحد!
نداء أخير قبل ضياع البقية!
يا عقلاء السودان أنتم بحاجة لحكومة وحاكم يأخذ الكتاب بقوة، ويصدر عن رأي أهل العلم والنظر، فقد أبدت السنوات أن ساستنا إن كان فيهم خير فهم جهلة يصدرون عن آراء مشبوهين وخونة أو جهلة بالدين والعقل والسياسة!