إلفة الشيء تنسيك قيمته وأهميته، وهكذا كثير من الأمور العظيمة، لا نجدها في أنفسنا عظيمة لأننا ألفناها
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ...... ولا الصبابة إلا من يعانيها

وقديماً قالوا: إذا أردت أن تعرف نعمة البصر، فاغمض عينيك ساعة، وهذا يذكرني برجل بريطاني مشهور، دخل الأزهر أيام الاحتلال البريطاني لمصر، فوجد شيخاً وحوله تلاميذه، وهو يعلمهم آداب الاستنجاء، أدباً أدبا، ويدعم أقواله بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، فوقف ذلك المستشرق مشدوهاً بما سمع، واعترض مستغرباً: هذا ما علمكم إياه رسولكم؟ فأجاب الشيخ: نعم فقال الرجل: اكتبها عني شهادة للتاريخ: إن رسولكم الذي علمكم هذا، لهو رجل عظيم!!

يقول "سيدون" من مانشستر في بريطانيا، وكان أحد ضيوف رابطة العالم الإسلامي في حج عام 1420هـ: بلغت عشرين عاماً لا أعرف شيئاً عن الإسلام، ولــكن قدر الله لي أن تعرفت على رجل من بنغلاديش، لم يكن ملتزماً، أو مطبقاً الإسلام في نفسه، لكنه كان يحدثني عن الإسلام كثيراً، ومما حدثني عنه: موضوع الوضوء والطهارة، فأعجبت بذلك إعجاباً عظيماً، وعلى الأخص عندما قارنت مع ما تعودنا عليه في أوروبا من عدم الاهتمام بالطهارة، ثم يتابع حديثه قائلاً: طالما أن الدين الإسلامي بهذا المستوى فلابد من أن أتعرف عليه بشكله الصحيح غير المزيف، فكان موقف البنغلاديشي تحويلة في حياتي، فأخذت أقرأ وأبحث، ورجعت إلى كتب المسلمين، ومن ثم اعتنقت الإسلام وأحببته من كل قلبي، وبدأت أصلي مع المسلمين، إلا أنني كنت أشعر بالحرج عندما أحمل كتيباً فيه سورة الفاتحة وقد كتبت بالحروف الانجليزية، وأقرؤها في الصلاة، فقررت أنه لابد من بذل الجهد، فبذلت وتعلمت الفاتحة وقصار السور في فترة وجيزة..

ثم اعترضتني مشكلة أخرى، وهي أنني لا أفهم معنى ما أردد، عندها قررت أن أتعلم العربية فلم تمر عليّ فترة إلا وقد أجدتها كتابة وفهماً، بل قررت أن أوجه دراستي العليا للتاريخ الإسلامي وعلى الأخص (القرن الرابع عشر الميلادي) حيث كان يحكم بريطانيا ملك مسلم عملة كتب عليها "لا إله إلا الله محمد رسول الله" باللغة العربية، وقدمت دراسة عن تلك الفترة وحصلت فيها على درجة "الماجستير" من جامعة (لانكستر) وأنا الآن أحضر للدكتوراة في تاريخ المسلمين في بريطانيا.

هذا الرجل الذي لفت نظره البنغلاديشي بكلماته الموجزة عن الإسلام وموضوع الطهارة خاصة، يقوم الآن بجهد كبير في بريطانيا ويتجول هو وأتباعه في أنحاء القرى داعياً إلى الله على بصيرة إنه "محمد صديق سيدون"..


الكاتب/محمد محمود الشردوب

أستاذ جامعي