السيول والفساد و"السلطة الرابعة"!!
| 28/12/1430 هـ



يقولون عنها في العالم إنها "السلطة الرابعة"، وفي بعض البلدان تسبق هذه السلطة السلطات التقليدية المعروفة "التشريعية"، و"التنفيذية"، و"القضائية"، ويردد البعض أن إطلاق مسمى "السلطة الرابعة" على الإعلام عموماً والصحافة خصوصاً كان من مبالغات الماضي لكن الأمر قد تجاوز ذلك كثيراً هذا المسمى وذاك الترتيب إلى اعتبار سلطة الإعلام فوق سلطات أخرى في المجتمع في بعض دول العالم التي يريد البعض هنا في بلادنا أن يستنسخ أساليب وأنماط معيشتها السياسة والاجتماعية والاقتصادية.
ومع طفرة الإعلام الرهيبة في العقد الماضي وانتشار الفضائيات والصحف الإلكترونية والمدونات والفيس بوك وتويتر والمجموعات البريدية صار لزاماً على الصحافة الورقية أن تأخذ وضعها المأمول في الرقابة على الأداء الحكومي لدولها وأن تضطلع بمسؤوليتها في ملاحقة الفساد الإداري والمالي في المحليات والأداء اليومي لدواليب النظم الإدارية في المدن، وهذا أقل ما ترجوه منها الشعوب التي تدفع ريالاتها لشراء تلك الصحف.
هذه إحدى وظائفها المطلوبة والمتوقعة أن يكون لها دور في تصويب المسيرة وتتبع الأخطاء بغية تنبيه السلطات الأخرى لما يجري في حدود دولتها، وكشف كل ما من شأنه أن يفاقم المشكلات ويتسبب في الأزمات أو الكوارث.
وإن كان ثمة حراك ملموس في انتقاد الشعب السعودي لأداء أمانة مدينة جدة، وتقاعس بعض المسؤولين عن استكمال شبكات تصريف المياه، وللجهوزية اللازمة لمباشرة أعمال الإنقاذ السريعة والشاملة لضحايا سيول يوم التروية في جدة؛ وإذا كانت هناك بعض الإجراءات التصحيحية المحمودة في هذا الإطار ما قد لمسناه من تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وتعيين مسؤولين جدد في الدفاع المدني في المدينة المنكوبة؛ فإن ذلك يلقي بدوره ظلالاً كثيفة على المكانة التي لم تتمكن صحافتنا المحلية من شغلها قبل وأثناء وبعد هذه الأزمة بما جعلها شريكاً في الخلل الذي ترتب عليه سقوط هذا العدد الهائل من الضحايا.
لقد شغلت صحافتنا في الحقيقة نفسها كثيراً في ملاحقة فتاوى العلماء ومواقفهم والتيار المناهض لتوجهاتها أكثر من انشغالها بمسؤوليتها الأولى الملقاة على عاتقها؛ فأخفقت كثيراً وفشلت فشلاً ذريعاً في تقويض الأزمات الحقيقية قبل حدوثها، واستهلكت قراءها في متابعة موضوعات ليست في معظمها مفيدة ولا مساهمة في نهضة هذا الشعب، ومارست نوعاً من الترفع عما يهم المواطن في حياته ومعيشته مكتفية بتخديره بموضوعات تهم النخب التغريبية المخملية أكثر مما تعني الجماهير.
إنها وقد نجحت في عزل كثير من الأصوات المعتدلة والوسطية عن أوراقها، وعمدت إلى الاستئثار بتلك المطبوعات وحدها بما تمثله من تيار ليبرالي متكاتف ومؤدلج بشكل مريب أحياناً، موضوعة الآن أمام استحقاق كبير، كونها لا تضطلع بمسؤوليتها الاعتبارية وتنأى بنفسها عن ملاحقة المفسدين مكتفية بتتبع زلات المصلحين!!


الشيخ ناصر العمر
كلمة موقع المسلم