النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1
    عضو فعّال الصورة الرمزية المنذر
    تاريخ التسجيل
    Jul 2006
    الدولة
    جزيرة العرب
    المشاركات
    577
    Rep Power
    88

    بيان قبسات من السيرة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    لما قتل خنيس بن حذافة ، رضي الله عنه ، يوم بدر ، تأيمت منه حفصة ، رضي الله عنها ، فسعى الفاروق ، رضي الله عنه ، سعي الأب المشفق ، في زواجها ، فعرضها على ذي النورين ، رضي الله عنه ، فبدا له ألا يتزوج آنذاك ، ثم عرضها على الصديق ، رضي الله عنه ، فسكت ، فوجد عمر في نفسه على أبي بكر ، ولم يفتقر إلى شجاعة يواجه بها ثاني اثنين بذلك لما سأله متلطفا ، ومعتذرا بذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لها ، فلعله أراد الزواج بها ، إكراما لوزيره الثاني وقد كان في قصة معروفة روتها كتب السير فيها من اللطائف شيء كثير :

    فإن عمر ، رضي الله عنه ، كما يقول أحد الفضلاء المعاصرين لم يجد غضاضة في أن يعرض ابنته على الأفاضل الأكفاء ، بل إنه يرى ذلك حقا له على الجماعة المسلمة ، فإن بقاء ابنته متأيمة : نازلة تحتاج إلى من يرفعها ، ولن يكون ذلك إلا بتزويجها ، فلتتحمل الجماعة المسلمة إذن عبء ذلك بأن ترشح الكفء لتلك الزيجة . ولم يكن رد فعل الأصحاب ، رضي الله عنهم ، على وزان : "وأنا مالي يا عم ؟!!!" كما يقال عندنا في مصر ، فإن الفردية والسلبية لم تكن من سمات الصدر الأول ، بل كانوا جميعا على قلب رجل واحد ، يسعى بذمتهم أدناهم ، يتداعون لبعضهم بالسهر والحمى ، فاعتذر عثمان ، رضي الله عنه ، وليس ذلك بقادح فيه ، إذ لم يفتقر هو الآخر إلى شجاعة في الرد ، فالزواج ليس مجاملة عابرة يصل بها الصاحب صاحبه ، بل هو أمانة ، فلا عيب أن يرد عثمان ، رضي الله عنه ، العرض ، إذ لا حاجة له في الزواج آنذاك ، فلا يأمن ألا يعدل ، فيقع في الإثم إن قصر ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها .
    وأما الصديق ، رضي الله عنه ، فهو كما عهدناه من سيرته العطرة ، لا يألو جماعة المسلمين نصحا ، فسكت لعل عمر ، رضي الله عنه ، يحظى بتلك المصاهرة ، فإن لم يكن ذلك فلن يتردد في قبول العرض العمري ، مع أن دخول حفصة ، رضي الله عنها ، على بيت النبوة ، بأقيسة أهل الدنيا ، دخول "الضرة" لابنته عائشة ، رضي الله عنها ، فالطبع البشري ، يكره ذلك ويرده ، ولكن ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لها كاف في رد تلك النوازع البشرية ، فإن الرضا بما يسره ، والسعي فيما يريده ، مئنة من كمال الإيمان ، فطاعته من طاعة الله ، عز وجل ، ورضاه من رضا الرب المنعم ، جل وعلا ، وقد كان لعمر ، رضي الله عنه ، فوق ما أراد ، فصار صهرا لخير الخلق ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وصارت ابنته ، رضي الله عنها ، أما للمؤمنين على طول الدهر .

    ولم يكن الفاروق ، رضي الله عنه ، ممن تسيره الأهواء الشخصية والنوازع البشرية ، فلم يسرها لعثمان ، رضي الله عنه ، في نفسه ، ليثأر لها ، فقد ترفع عن حظ نفسه ، وإن انتابها من العوارض البشرية الجبلية بداية ما ينتاب بقية الأنفس ، بل يؤتمن يوما ما على عرض مسلم ، وكله أن يزوج ابنته الكفء ، فلا يجد إلا عثمان ، رضي الله عنه ، الذي رده يوما ما ، فكانت تلك المرأة أم عمرو بن عثمان كما ذكر صاحب "منار السبيل" في كتاب "النكاح" .

    وفي تلك الزيجة التي تولى عمر ، رضي الله عنه ، أمرها ، صورة صادقة لا تكلف فيها على طريقة : "وضع حجر الأساس" !!! في واقعنا المعاصر لكثير من المشاريع التلميعية الوهمية ، صورة صادقة للحاكم المسلم الذي يتولى أمر رعيته ، فهو الوكيل عنهم إذا غابوا ، وهو الذي يكتب رسائل زوجات الجند إلى أزواجهن على الثغور ، وهو الذي يشتري لهن حاجاتهن من السوق لئلا يغبن ، وهو الذي يعس في المدينة ليلا ، كما تواتر من السيرة العمرية ، وهو باختصار : عمر بن الخطاب وكفى !!! .

    بل إنه يختار ذا النورين مع من اختار من الستة الذين توفي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو عنهم راض ، فيستبعد ابنه وابن عمه ، ولو قيس الأمر بأقيسة الأهواء الشخصية والحظوظ النفسانية ، لكان الابن أولى ، أو ابن العم ، أو الصهر الذي تزوج عمر ، رضي الله عنه ، ابنته ، علي ، رضي الله عنه ، فإن له حظوة عنده ، وأين من زوجني ابنته ممن رد ابنتي ؟!! ، ولكنه التجرد من حظوظ النفس ، وحظ النفس في الانتقام ، حظ عظيم ، لا يسلم منه إلا أصحاب النفوس الكبيرة ، وأي نفس أكبر من نفس صنعت على عين الوحي ؟!! .

    ويوما ما خرج أحد السذج عندنا في مصر ليقول بأن وجدان عمر ، رضي الله عنه ، على أبي سليمان ، خالد بن الوليد ، رضي الله عنه ، وسعيه عند الصديق ، رضي الله عنه ، في عزله ، وعزله بعد أن تولى الخلافة ، اجتهادا منه لئلا تتعلق النفوس بخالد ، رضي الله عنه ، إذ لا قبل لعدو به ، فهو الذي قيل فيه إنه : لا ينام ولا يدع غيره ينام !!!، وذلك مظنة أن الافتتان به ، ولا ريب ، خرج ذلك الساذج ليقول بأن ذلك كان على خلفية مشاجرة وقعت بينهما زمان الصبا إذ كانا من أشجع فتيان قريش ، فأسرها عمر ، رضي الله عنه ، في نفسه ، حتى تولى الخلافة فثأر من خالد على خلفية تلك "الخناقة" !!! ، كما يقال عندنا في مصر ، وذلك إن دل على شيء فإنما يدل على خسة همة القائل ، فهو يقيس نفوس الصدر الأول العلية على نفسه الدنية ، وقد علم ما كان بين الرجلين من الود الذي شابه ما شابه انتصارا للدين ، فلم يكن لأحدهما فيه حظ نفس ، حتى أوصى خالد لعمر فكان الأخير وصيه بعد موته ، وهي صورة أخرى من صور التجرد والترفع عن نوازع النفس .

    وأولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم : أبر الناس قلوبا وأعمقهم علما وأقلهم تكلفا ، كما وصفهم ابن مسعود ، رضي الله عنه ، وما ظنك برجال عدلهم الوحي هل يقبل فيهم جرح ؟!! .

    اللهم ارض عن الصدر الأول صحب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجمعين .

    والله أعلى وأعلم .
    f





  2. #2
    وسام الأحبة الماسي الصورة الرمزية العزة للاسلام
    تاريخ التسجيل
    Jan 1970
    الدولة
    من خير جنود الارض
    المشاركات
    6,529
    Rep Power
    812

    افتراضي رد: قبسات من السيرة

    بارك الله فيك اخى الكريم

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. قبسات و نسمات قناة الناس**لشيوخنا الفاضل
    بواسطة HASSAN45 في المنتدى ملتقى الصوتيات و المرئيات والصور
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 31 Jul 2008, 11:29 PM
  2. قبسات من كلام خير الانام صلى الله عليه وسلم
    بواسطة المنذر في المنتدى الملتقى الشرعي
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 12 Jan 2008, 05:03 AM
  3. قبسات من السيرة
    بواسطة المنذر في المنتدى الملتقى الشرعي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04 Jan 2008, 08:18 PM
  4. >> القنديل الأول << قبسات رمضانية من كلام الله وتفسيره
    بواسطة أمير الأحبة في الله في المنتدى البستان الأدبي
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 03 Oct 2007, 04:55 AM
  5. قبسات من حياة الصحابة
    بواسطة صقر القسام في المنتدى الملتقى الشرعي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 26 Aug 2006, 01:24 AM

الأعضاء الذين قرأو هذا الموضوع : 0

إجراءات :  (عرض - الذين قرأو الموضوع)

لا يوجد أسماء لعرضها.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •