المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صور مشرقة من ثورة الشام .. رائعة و مؤثرة---



ام حفصه
18 Nov 2012, 11:40 AM
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فهذه صور مشرقة من بطولات ثورة الشام المباركة جمعت خيوطها ومشاهدها مما سمعته أذناي، ورأته عيناي، وبعضها مما كتب على صفحات الشبكة العنكبوتية، وكنت في هذا ناقلاً ومدوناً فحسب!، وتدويني لهذه الصور البطولية ناتج عن شعور بالواجب تجاه الشعب السوري البطل الذي عانى من الظلم والقهر على مدار أربعين سنة خلت.

وقد كتبت هذه القصص بذوب قلب ودموع عين، كيف لا وأنا واحد من أولئك السوريين الذين عانوا ولا يزالون يعانون من ظلم ذلك النظام المجرم. وقديماً قيل:
" ليست النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلى".

وكان الهدف الرئيس من كتابتي لها، أن يتعرف الناس على هذه البطولات، وتكون نبراساً لهم في مقارعة الظلم والطغيان حيثما حلَّ وأينما كان، وذلك استجابة لقوله تعالى: {وَلَا تَرْ‌كَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ‌} [هود:113].

وهذه البطولات التي كتبتها، ليست من بطولات الصحابة، ولا هي من بطولات التابعين، إنما هي بطولات من عصرنا الراهن، أعادت للذاكرة بطولات الأجداد الخالدة، وهي بطولات لا تقل شأناً عن تلك البطولات، وما ذكرتها إلا للتأسي بها، ورحم الله من قال:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبه بالكرام فلاح


ولا تظنن -أخي القارئ الكريم- أن بطولات ثوار الشام قد اقتصرت على هذا الحد أو انتهت عند هذه الصور المشرقة، لا وألف لا، فما كتبته لك هو غيض من فيض من بطولات هذا الشعب العظيم المبارك، وما خفي عنا من بطولاته أضعاف أضعاف ما علمناه، ولسوف أوافيك وأوافي أهلنا في الشام -ما استطعت- بكل جديد من هذه البطولات النادرة عبر سلسلة غير متناهية، تمتد إلى ما بعد انتصار الثورة إن شاء الله.

ختاماً: آمل أن أكون قد وفقت في نقل هذه الصور البطولية إلى القراء الكرام، داعياً الله عزَّ وجلَّ أن يجعلها في صحيفتي جهاداً في سبيله يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولعمري فإن الجهاد بالقلم لا يقل شأناً عن الجهاد بالسلاح.


(1 ) أبو عبيدة الحمصي:

إنها الساعة السادسة صباحاً حسب التوقيت المحلي لمدينة حمص، الشمس لا زالت تنشر أشعتها الذهبية على هذه المدينة الجريحة، أصوات الرصاص متقطعة تسمع من هنا وهناك... الشوارع تكاد تكون خالية من المارة، لا شيء يبعث على الارتياح فرائحة الموت تزكم الأنوف، هناك كوة واحدة ينبعث منها الأمل في نفوس الناس، إنها كوة الإيمان بالله العزيز الحميد، فهو وحده القادر على حسم الأمور، ونصر عباده المؤمنين، العالم كله يتفرج... وأهل حمص يستغيثون ولا مجيب، إذاً ليس لهم إلا الله، وها هي ذي حناجرهم تدوي بصوت واحد: مالنا غيرك يا الله، عجِّل نصرك ياالله.


هكذا كانوا يرددون في مظاهراتهم وأهازيجهم الشعبية بألسنتهم، ولكن أعماق قلوبهم تصدق ما تنطق به الألسنة.
لم يعد شبح الموت يخيف أحداً منهم، لقد استوت عندهم الحياة والموت، لقد أصبحوا كالجسد الواحد أمام هذا الطاغوت، ابتعد عنهم الأنا.. وها هم يتقاسمون رغيف الخبز في مشاهد عجيبة عزَّ نظيرها ويضربون أروع الأمثال في الإيثار، وما قصة أبي عبيدة عنا ببعيدة، لقد اعتقل الأمن السوري ابنه عبيدة الذي رباه كما يقول المثل السوري (كل شبر بنذر)، وكان له معه كل يوم قصة وحديث وحنين، تألم وقتها كثيراً، تمنَّى وقتها لو مات عبيدة ولم تقبض عليه قوات أمن هذا النظام المجرم، ذلك لأنه يعلم ما معنى الاعتقال في سجون هذا النظام، بكت والدته وإخوته، كانوا كل يوم يرفعون أكفهم له بالدعاء.

لكن قدر الله كان هو النافذ، لقد قام هذا النظام بتصفيته، شأنه في ذلك شأن كل المعارضين الذين لهم بصمات واضحة في مسيرة الثورة السورية، وسرعان ما ألقي به مع عدد من رفاقه في ثلاجة الموتى في المشفى الوطني بحمص، كان أبو عبيدة وقتها ينتظر ارتفاع الشمس قدر رمح ليصلي الضحى يوم قُرع باب داره، انتابه شعور من الفرح في البداية، قال في نفسه: لعله عبيدة قد أُفرج عنه، لكن شعوراً آخر انقبضت له نفسه، وعبس وجهه سرعان ما تسلل إلى أعماقه، لا شك أنهم أزلام النظام، تماسك قليلاً ثم صاح:
- من الطارق.
- افتح... افتح.


علم أنهم رجال الأمن، لكن ماذا يعمل ؟ إنه إذا لم يفتح بسرعة فقد يفتح الباب بالرصاص.
فتح الباب قائلاً:
- خير إن شاء الله.
- أنت أبو عبيدة؟
- نعم، أنا هو.
- ابنك عبيدة في المشفى الوطني، اذهب فخذه وواره التراب دون أن تُعلم أحداً، وإياك إياك أن تقيم له مأتماً، أو تُخرج له جنازة يشارك فيها الكثيرون.
تركوه وهم يقهقهون، فأغلق الباب وأخذ يتمتم: إنا لله وإنا إليه راجعون... اللهم أجرني في مصيبتي.

ذرف دموعاً حرّى، وذرفت أم عبيدة وإخوانه دموعاً أشد حرارة!، قال في نفسه: لن يحلموا بتنفيذ ما طلبوه مني... سأجعل له جنازة يشارك فيها جميع أحرار حمص.
انطلق مسرعاً بسيارته إلى المشفى الوطني، سأل عن ثلاجة الموتى فَذُل عليها، وجد لفيفاً من الناس هناك كل يبحث عن فقيده، ليس هناك ما يدل على أن الفقيد هو ابن فلان أو فلان... قال في نفسه: فوضى النظام وصلت إلى هذا الحد. إنهم يقولون لك: تعرَّفْ على ميتك وخذه، وقف في زاوية مهملة من زوايا ذلك المكان ينتظر.


لقد أنساه هول المنظر شيئاً من أساه، كان يقول في نفسه: كلنا في الهمِّ شرق!، ابتعدت به الذاكرة قليلاً... أخذ يعيد شريط الذكريات عندما كان عبيدة صغيراً، كم من ضحكة طفولية سمعها منه، كم من رحلة رافقه فيها، كم من صلاة كان إلى جانبه... كم... كم ولم يقطع عليه هذا الشريط سوى صوت يقول له: لم يبق غيرُك، هيا تعرَّف على فقيدك وخذه عنا. تقدم بخطى وئيدة إلى الثلاجة، أخذ ينظر بين القتلى علّه يجد عبيدة، لكن عينه وقعت على ما لم يكن بالحسبان.. تأمل المشهد ثانية وثالثة، لقد دُهش مما رآه حتى إنه كاد لا يصدق نفسه، كان عامل الثلاجة يصيح فيه، أما وجدت فقيدك؟ معقول أنك لا تعرف ابنك؟، لقد رأى شابأً في الثلاجة جفنه يطرف أكثر من مرة، فعلم أنه لا يزال حياً، ونظر في الأدراج الأخرى فرأى ابنه وقد ظهرت عليه آثار التعذيب، وقف حائراً لا يدري ماذا يقول! وماذا يعمل! وعامل الثلاجة يقول له: أما وجدت فقيدك؟ أمعقول لا تعرف ابنك؟ قال له: أمهلني بعض الشيْء حتى أتعرف عليه جيداً، ألقى على ابنه نظرة الوداع، ثم قال: هذا ابني وأشار إلى من كانت عينه تطرف، حمله في السيارة التي كانت معه وعاد به إلى البيت، حاول تدفئته بعض الشيْء، فأخذ يتحرك شيئاً فشيئاً، ثم أسرع به إلى أحد أطباء الثورة، حيث قام على علاجه فترة من الزمن، وفي كل يوم كان الشاب يأخذ بالتحسن إلى أن شفاه الله.

فرح أبوعبيدة بشفائه فرحاً لا يوصف... انتابه شعور داخلي بأن عبيدة لا يزال حياً، ثم ما برح أن نسي مصابه الجلل عندما علم أن هذا الشاب قد استبدل باسمه اسم عبيدة، وجاء إليه وهو يناديه: أبي!

عبد الرحمن الشامي - 14/8/1433 هـ

**********************

رحم الله عبيدة وسبحان من ابدلك عبيدة بعبيدة ونصركم الله----

ام حفصه
18 Nov 2012, 11:44 AM
2 - أبو العز الحمصي

ما سجد لله سجدةً قط، ولم يكن يكتفي بذلك، بل كان يجاهر بالمعاصي، إذ لا يمر يوم إلا ويحتسي فيه الخمرة (أم الخبائث) وما خفي كان أعظم، لكن النزعة الإنسانية كانت لاتفارقه، فعلاقاته مع أهله وجيرانه وأصدقائه وأهل حيه (باب السباع) طيبة، فها هو ذا يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، وكثيرًا ما كان يحمل من يراه في الطريق من العجزة والفقراء منهم بشاحنته الصغيرة من نوع (سوزوكي) يحملهم إلى حيث يريدون دون أجرة.


وهذه الشاحنة الصغيرة كان قد اشتراها بكد اليمين وعرق الجبين، منذ سنوات عدة، لتكون عونًا له على إعالة أسرته، هكذا كانت حياة (أبو العز) قبل انطلاق الثورة السورية، ولكن حياته سرعان ما تغيرت عندما كان عائدًا من العمل، فقد أوقفه بعض المتظاهرين، وطلبوا منه أن يحمل اثنين من رفاقهم الجرحى إلى أحد المشافي الميدانية، فقام على الفور بالمساعدة، وانطلق بهما مسرعًا، لكن الآجل المحتوم كان قد وافاهما قبل الوصول.


تأثر بما رآه، أخذت دموعه تتساقط، أخذ يتساءل: "شابان في عمر الزهور لا ذنب لهما سوى التظاهر يطلق عليهما الرصاص". قال في نفسه: "ما هذه الوحشية؟" تذكر الموت الذي لم يكن يحسب له حسابًا، عندما رجع بهما سمع عويل الأمهات والأخوات، ورأى بأم عينيه دموع الآباء والإخوة والأصدقاء والجيران، عادت به الذاكرة إلى أنه سيلقى مصيره المحتوم في قادم الأيام، وسيبكي عليه الأهل والأصدقاء.


لم يذهب إلى بيته، انتظر التشييع، وها هم أهالي حي باب السباع يأتون من كل حدب وصوب ليشاركوا في مراسم الدفن، صلى معهم صلاة الجنازة لأول مرة، استمع إلى كلمة ألقاها شيخ الحي أنس السويد، كانت كلمة مؤثرة أعادته إلى رشده، أضمر في نفسه أشياء كثيرة كان أولها التوبة، وفي صلاة المغرب كان في الصف الأول خلف الإمام، بعد الصلاة سلَّم على الإمام وقال ياشيخ: "اسأل الله لي الشهادة"، أخذ في المحافظة على صلاة الجماعة، لم يكتف بذلك ففي كل يوم أخذ يرافق المظاهرة بسيارته إلى أن تنتهي خوفًا من وقوع مصابين برصاص النظام الغادر.


مضى الأسبوع الأول على توبته وهو فرح بما أقدم عليه، بعده بيوم همس في أذن الشيخ بعدة صلاة الفجر. "يا شيخ : إنني أدعو الله أن يميتني شهيدًا، فلماذا لا يستجيب؟ يظهر أنني لا أستحقها فسجلي حافل بالمعاصي! أليس كذلك؟ يا شيخ ادع الله لي بالشهادة الآن.. أريد أن أسمعك.. هيا أسمِعْني.. أخذت عيناه تذرفان بالدموع"، تابع كلامه: "أرجوك يا شيخ أنس: أسمعنيها، فأنت رجل صالح.."، رأى الشيخ منه صدقه في المقال، فقال: "اللهم ارزقه الشهادة".


ودع الشيخ فرحًا قال الشيخ لمن حوله: "من صدق الله صدقه"، وفي اليوم الثاني تحققت الأمنية، فقد أُصيب بطلق ناري وهو يمضي بسيارته خلف المظاهرة غير آبه ولا خائفٍ من أحد.

رحم الله أبا العز الحمصي! وكتبه عنده من شهداء هذه الأمة الذين هم أحياء عند ربهم يُرزقون.


عبد الرحمن الشامي - 25/8/1433 هـ

ام حفصه
18 Nov 2012, 11:46 AM
​3 - أبو حوران

هناك في أحد مشافي عمان، لا يزال أبو عبد الرحمن (محمد الشريف) يقيم منذ تسعة أشهر ، لم يكن وصوله إلى ذلك المشفى سهلاً، لقد حُمِلَ إليه ليلاً عبر طرق جبلية وعرة، لقد اجتاز به الشباب حقول الألغام والأسلاك الشائكة بين سورية والأردن إلى أن أوصلوه ذلك المشفى.


عندما وضع أمام أطباء قسم الطوارئ كان الدم قد غطَّى بعض أعضاء جسمه النحيل، كيف لا!؟ ورصاصات الغدر والخيانة لازالت تستقر في تلك الأعضاء. لكن لماذا ضُرب بتلك الرصاصات؟


هذا سؤال ما فتئت ألسنة الناس في درعا المحاصرة تتناقله، إنه رجل في السبعين من العمر.... عندما أصيب لم يكن يحمل سلاحاً، حتى سكيناً لم يكن يحملها، ليس بينه وبين أحد عداوة. إذاً ما قصته؟ يتساءل بعض الناس... هناك بضعة رجال في درعا يعرفون لماذا أُطلق عليه الرصاص.


إنهم أولئك الشباب الذين حملوه إلى الأردن وغابوا عن أنظار الناس، أما أهل درعا البلد فلم يكونوا يعرفونه من قبل، بل
لم يكن يرونه مطلقاً، تُرى ما الذي جعله يُصاب بين ظهرانيهم؟ وما الذي أتى به في ظل الحصار الأمني الخانق على البلد؟!


حار الناس في الإجابة عن هذه الأسئلة، لكنهم في نهاية المطاف وجدوها عندما سألوا عن صاحب تلك السيارة القديمة المحملة بالخبز والخضار والفواكه وبعض الأطعمة فلم يعثروا عليه، فعلموا أنه هو! وعلموا بعدها أن أخلاقه الإسلامية السامية، لم تكن تسمح له أن يقبع في قريته المجاورة لدرعا وهو يسمع أن إخوانه في درعا محاصرون، لا طعام لديهم ولا شراب.



وقد استطاع هذا الرجل السبعيني بهمته القوية أن يخترق جميع الحواجز عَبر طرق فرعية، لإيصال ما تحمله سيارته إلى المحاصرين.


واجه إطلاقاً للنار عليه عند آخر حاجز.. حيث تقف تلك السيارة... وزاد عجبهم ودهشتهم عندما علموا أنها لم تكن أول مرة أتى بسيارته المتهالكة لمساعدتهم، إنما كانت المرة الثلاثين، هناك أكثروا له من الدعاء بالشفاء، وأطلقوا عليه لقباً لم يطلقوه على أحد من قبله، نعم لقد لقبوه: (أبو حوران).


عبد الرحمن الشامي - 30/8/1433 هـ

ام حفصه
18 Nov 2012, 11:48 AM
​4 - قاشوش حرستا

ها هم المتظاهرون في مدينة حرستا القريبة من دمشق يتوقفون عن سيرهم البطيء وإنشادهم المستمر ليأخذوا بالهتاف : أبو سعيد ... ( تكبير ) ... الله يحميك ... ( تكبير )


كان ذلك قبل أن يقول من يقوم بالهتاف لهم أن أبا سعيد على الخط عبر الموبايل .... صمت الجميع ليسمعوا صوت حبيبهم ومشعل ثورتهم ( أبي سعيد ) : ألقى أبو سعيد تحية الإسلام عليهم، وحياهم وطلب منهم متابعة ثورتهم ...

وضبح هؤلاء مرة أخرى بالتصفيق والهتاف : أبو سعيد ... الله يحميك، فمن يا ترى أبو سعيد؟ :

- إنه قاشوش حرستا ( أيمن الدحدوح )، منشد الثورة في حرستا لعدة أشهر، بعدها أصبحت حنجرته مطلوبة للأمن السوري كما طلبت حنجرة قاشوش حماة.


لقد أصبح اسمه في رأس قائمة المطلوبين، والأمن لا يغادر حيَّه بحثاً عنه، أما بيته فيتعرض كل يوم إلى اقتحام إثر اقتحام، ومداهمة إثر مداهمة .

فما كان منه إلا أن غادر مدينته الحبيبة ميمماً وجهه إلى الأردن ...


ويبقى أبو سعيد شهوراً عديدة في منفاه، وفي كل يوم يمني النفس بالعودة إلى أحضان الوطن، ويشتد شوق أبي سعيد للثورة، وتشتاق حنجرته للهتاف والإنشاد، فيعود أدراجه لينشد مرة أخرى :

سألتنا أم الشهيد سألتنا عن يوم العيد
قلنا ما عاد بعيد بكره جايه الحرية


ويفرح الثوار برجوعه إليهم ويرددون خلفه تلك الهتافات، ودموع الفرح تذرفها أعينهم لعودته، وما هي إلا ثلاثة أيام بعد عودته حتى دوهم المنزل الذي يتوارى فيه، ويسمع الجيران صوت الرصاص، فيعلمون أن قاشوش مدينتهم هو المطلوب.

وبعد فترة وجيزة أعلن أهلوه نبأ مقتله فبكته زوجته وأطفاله الثلاثة وجميع من عرفه من مدينة الزيتون ( حرستا ) وغيرها من المدن السورية الثائرة، وتمضي الثورة في حرستا قدماً بدون قاشوشها هذه المرة، لكن أصداء صوته العذب تزال تقرع أسماع أهلها في كل آن وفي كل حين .


عبد الرحمن الشامي - 18/9/1433 هـ

ام حفصه
18 Nov 2012, 11:50 AM
5 - البطل الذي نعى نفسه

وُلدَ لأبوين كريمين، والدُه كان فلاَّحاً بسيطاً، أمّا والدَته فكانت ربّة منزل، تقوم على تربية أولادها، وتُعين زوجها في أعماله الزراعية، أما مسقطُ رأسه فكان مدينة الرّستن الواقعة وسط الطريق بين حمص وحماة، ذلك هو الملازم أوَّل أحمد الخلف.

نشأ أحمد في مدينته الوادعة (الرستن)، تلكَ المدينة التي يخترقُها نهر العاصي الذي يُضفي إلى جمالها جمالاً قلَّ نظيره، ويزيدُها جمالاً أيضاً تلك البحيرة الزَّرقاء التي تطل على الرائي من وراء السد البازلتي الأسود، إضافة الى تلك السهول الخصبة الممتدة على ضفتي النهر والملونة باللون الأخضر، والتي تجعل أسراب الطيور عندما تمر بها تتوقف عن الهجرة إلى غيرها من المناطق، و مما يجعل اللوحة تكتمل وتتسق تلك الزهور المبثوثة هنا وهناك من شقائق النعمان وأخرى من القرنفل والجوري والنسرين.


هذه الطبيعة الساحرة جعلت في قلبه حباً كبيراً لمدينته، وكثيراً ما كان يخاف عليها من المحتلّ الصهيوني الذي احتلَّ الجولان كما قال لهم مُعلّم التاريخ ذات يوم، وهذا ما جَعلَهُ يُضمر في نفسه شيئاً، وما إن أنهى دراسته الثانوية حتى انتسب إلى الكليَّة الحربية ليكون ممَّن يذودُون عن حياض الوطن، وبعد ثلاث سنوات يتخرَّج أحمد ليزدان كتفاه بنجمتين طالما حلُم بهما عندما كان صغيراً، بعدها حصل على إجازة استطاع من خلالها أن يتزوَّج أحمد من إحدى فتيات القرية، ثم التحق بمكان عمله الجديد في إحدى قرى مدينة درعا القريبة من مرتفعات الجولان، وهناك أخذ يعدّ العدة مع رفاقه لاستعادة تلك الأرض الحبيبة، ولكنه فوجئ ذات يوم بقائد فرقته يطالبه ورفاقه بالتوجه إلى مدينة درعا لضرب عصابات مسلحة هناك...

في درعا لم يجدوا مسلحاً واحداً، ولكن وجدوا الكثير من الشباب يتظاهرون ضدّ تصرفَّات نظام الأسد القمعي...
قال أحدهم للقائد: أين العصابات المسلحة؟! لا نرى إلا أُناساً مُسالمين يهتفون بأصواتهم للحرية، ردَّ عليه: هؤلاء سيشكّلون خطراً على الحزب والثورة، هؤلاء عملاء لإسرائيل، لا مناص من القضاء عليهم، ثم ما لبث أن أعطى أوامره بإطلاق النار...


أخذ أحمد يُحدّث نفسه عندما انتسب إلى هذا الجيش، كان الهدف تحرير الجولان واستعادة فلسطين، ولم يكن قتل الأبرياء !!
نظر أحمد إلى المتظاهرين فوجد بينهم الصغار والنساء، فقال في نفسه: هؤلاء ما ذنبهم؟ إن كان كلام القائد صحيحاً، نظرَ نظرة أخرى فرأى بينهم من ترتدي لباساً يُشبه لباس أمه وأخته، ورجالاً يَضعُون على رؤوسهم الكوفية والعقال، وأطفالاً في عُمر الزهور، فتذكَّر والدَه ووالدته وإخوته وأقاربه وجيرانه، فقال: والله لا أفعلها! أيَقتل الانسان أهله؟! وسُرعان ما قام بحركة كر وفر، اختفى بعدها.


انتهت المعركة بين الجيش الأسدي والمواطنين العزَّل بعشرات القتلى وعدد كبير من الجرحى من المواطنين السوريين .
رجعَ أحمد إلى بلدته الرستن، فالتقى بوالده ووالدته وإخوته وزوجته وأولاده الثلاثة وأعلمهم بما جرى، ثم ودَّعهم لينضم إلى كتائب الجيش السوري الحر في مدينته.

أَوْكل إليه الرائد عبد الرحمن الشيخ قائد الكتيبة مهمة حماية المَدخل الشرقي للمدينة فكان ومن معه خير من يقوم بهذا العمل، فقد استطاعوا صدَّ هجوم بري بالدبابات والأسلحة الثقيلة وكبَّدوا الجيش الأسدي خسائر فادحة بالأرواح والمعدات، وفي يوم الأربعاء 28/ 9/ 2011 قام جيش الطاغية بهجوم ثان، وصمد الملازم أول أحمد الخلف ومن معه، وبقي الصمود لمدة أسبوع الى أن كان الأربعاء الثاني حيث أصيب الملازم أحمد برصاصة غادرة لم يزل ينزف إثرها حتى مات.

بعدها استطاع الجيش السوري دخول الرستن، وما إن تمَّ الاختراق حتى تذكَّر الرائد عبد الرحمن الشيخ قائد كتائب الجيش الحر في الرستن ما قاله أحمد عندما كلفه بالمهمة: إذا رأيتم الجيش الأسدي يدخل المدينة من جهة الشرق فاعلموا أنني قد استشهدت .
رحمك الله يا أحمد، وجعلَ روحك في أعلى عليين، وزوجك من الحور العين.


عبد الرحمن الشامي - 21/9/1433 هـ

رونق الامل
18 Nov 2012, 12:28 PM
بارك الله فيك

فله المميزة
19 Nov 2012, 09:21 AM
بارك الله فيك ونفع الله بك

رياض أبو عادل
19 Nov 2012, 03:19 PM
بوركـت جهـودك... وفقك الله ورعــــــاكhttp://www.mekshat.com/pix/upload04/images199/mk50153_domain-6f07493f90.gif