المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إتحاف المسامع بما في الحجِّ من الفوائد والمنافع



رياض أبو عادل
15 Oct 2012, 04:27 PM
http://www.ala7ebah.com/upload/images/bsm.gif
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عن موقع : الشبخ أبو عبد المعز محمد علي فركوس
إتحاف المسامع بما في الحجِّ من الفوائد والمنافع


قال الشبخ أبو عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله و نفعنا بعلمه :


الحمد لله وليِّ الصالحين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وأوليائه المتَّقين، ومن اقتفى آثارهم وسلك سبيلهم إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فالحجُّ أحد أركان الإسلام الخمسة التي بُني عليها، وآخرُ ما فُرض منها، أوجبه الله على عباده مرَّةً واحدةً في العمر، ومن زاد فتطوُّعٌ مرغَّبٌ فيه، يُحصِّل فيه الحجَّاج منافع دينيةً ودنيويةً منوطةً به، قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ. ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٧-٢٩]، وهذا العهد من الله غير قاصرٍ على أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، بل أُمر به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فوفَّاه وبلَّغه وأذَّن فيهم قائلاً: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا»(١)، فوقرت في قلب كلِّ مؤمنٍ، يأتونه من كلِّ فجٍّ عميقٍ ليحضروا ما يجدون فيه النفع والخير، قال الطبري -رحمه الله- بعد أن ساق أقوال المفسِّرين المتباينة في تعيين المنافع المذكورة في الآية: «وأَوْلى الأقوال بالصواب قول من قال: عنى بذلك: ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي الله والتجارة، وذلك أنَّ الله عمَّ لهم منافع جميع ما يشهد له الموسم، ويأتي له مكَّة أيَّام الموسم من منافع الدنيا والآخرة، ولم يخصِّص من ذلك شيئًا من منافعهم بخبرٍ ولا عقلٍ، فذلك على العموم في المنافع التي وصفت»(٢).

• وفي الآية نفسها تعدادٌ لجملةٍ من منافع الحجِّ، أوَّلها: أنَّ الله شرع الحجَّ في الأيَّام المعلومات التي هي العشر الأُوَل من ذي الحجَّة في قول ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وهو مذهب الشافعي والمشهور عن أحمد بن حنبلٍ -رحمهما الله-، وقد قيل: إنها أفضل أيَّام السنة لحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ»، قَالُوا: «وَلاَ الجِهَادُ؟» قَالَ: «وَلاَ الجِهَادُ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ»(٣)، ولاشتمالها على يوم عرفة ويوم النحر حيث نطق الحديث بأنه أفضل الأيَّام عند الله(٤).

وثانيها: اشتمال الحجِّ على عباداتٍ متنوِّعةٍ متعلِّقةٍ به مباشرةً، وقد ذُكرت في الآية وهي:
١- قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ﴾: بالتلبية وغيرها من أنواع الذكر، وقد جاء الذكر مقرونًا بالحجِّ في آياتٍ كثيرةٍ منها: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، قال ابن القيِّم -رحمه الله-: «إنَّ أفضل أهل كلِّ عملٍ أكثرهم فيه ذكرًا لله عزَّ وجلَّ، فأفضل الصُّوَّام أكثرهم ذكرًا لله عزَّ وجلَّ في صومهم، وأفضل المتصدِّقين أكثرهم ذكرًا لله عزَّ وجلَّ، وأفضل الحجَّاج أكثرهم ذكرًا لله عزَّ وجلَّ، وهكذا سائر الأحوال»(٥).

٢- وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾: والتفث: الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظافر والشعث، تقول العرب لمن تستقذره: ما أَتْفَثَك: أي: ما أَوْسَخَك، والحاجُّ أشعث أغبر، لم يحلق شعره ولم يقلِّم ظفره، فقضاء التفث: إزالة هذه الأشياء، والمراد منه الخروج عن الإحرام بالحلق وقصِّ الشارب ونتفِ الإبِط والاستحداد وقَلْم الأظفار ولُبس الثياب(٦).

٣- وقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: أي: الخروج عمَّا وجب عليهم نذروا أو لم يَنْذُروا، والعرب تقول لكلِّ من خرج عن الواجب عليه: «وَفَى بنذره»، قال ابن كثيرٍ -رحمه الله-: «وروي عن مالكٍ مثل هذا»(٧).

٤- وقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: والطواف قربةٌ إلى الله لا يُشرع إلاَّ بالكعبة بيت الله، أمَّا بيوت المخلوقين فلا يجوز التوجُّه إليها بالطواف، ولذلك عَهِدَ الله إلى نبيِّه إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام أن يقوما بتطهير بيته من الشرك وتشييد أركانه وتهيئته لهذه العبادة العظيمة فقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقال كذلك: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦].

كلُّ هذه العبادات يشهدها الحاجُّ بإقبال القلب وتوجُّهه إلى الله تعالى لتُثمر في نفسه عقيدة الإخلاص والمتابعة، يتجلَّى فيها تعظيم حرمات الله وشعائره، وتتحقَّق بها مرضاة الله وتجنُّبُ ما يُغضبه ويُسخطه.
• كما يمكن تعداد شيءٍ من منافع الحجِّ وفوائده لم تنصَّ عليها الآية نصًّا صريحًا، وإنما تستفاد من نصوصٍ خارجيةٍ بعد تقسيمها إلى مطلبين على الوجه التالي:
المطلب الأوَّل: منافع دينيةٌ:
للحجِّ منافع تعود على الحاجِّ بالخير الديني يجني ثمرته أخرويًّا، ومن أبرزها:
١- الفوز بدخول الجنَّة:
وذلك غاية ما يقصده المتعبِّدون ويرجوه السالكون، ومن ضدِّه يرهب العابدون، فالحجُّ يوجب دخول الجنَّات لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّةُ»(٨)، والحجُّ المبرور ما اجتمع فيه إخلاصٌ لله لا رياءَ فيه ولا سمعة، وموافقةٌ لمناسك النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وانتظمت فيه أعمال البرِّ مع اجتناب مسالك الإثم، قال القرطبي -رحمه الله-: «الأقوال التي ذُكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحجُّ الذي وُفِّيت أحكامُه ووقع مُوقعًا لِما طُلب من المكلَّف على الوجه الأكمل»(٩)، ويتضمَّن الحجُّ المبرور فِعْلَ الخيرات من إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وإغاثة الملهوف، وإرشاد الضالِّ، وتعليم الجاهل، واجتناب كلِّ ما يُفسد الحجَّ أو يُخلُّ به من الرفث والفسوق والجدال وما إلى ذلك لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ حَجَّ للهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»(١٠).

٢- تحصيل الثواب وغفران الذنوب وتكفير الخطايا:
فمن سعادة الإنسان في دنياه وأخراه تطهيرُ نفسه ممَّا يشوبها من معاصٍ، ويعكِّر صفو نقائها من موبقاتٍ تُميت القلوبَ، ويورث الذلَّ إدمانُها، والحجُّ من أعظم الفرص الممنوحة لتزكية النفس من دسائسها، وتنقيتها من خبائثها، بحيث يهدم ما اقترفه الحاجُّ من آثامٍ ومهلكاتٍ، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: «لَمَّا جَعَلَ اللهُ الإِسْلامَ فِي قَلبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: «ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ»، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟» قَالَ: قُلْتُ: «أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ»، قَالَ: «تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟» قُلْتُ: «أَنْ يُغْفَرَ لِي»، قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟»(١١). وما جاء مجملاً في كيفية الهدم في الحديث وَرَدَ تفصيله في أخبارٍ أخرى تُفصح عن عدم بقاء الأوزار على الحاجِّ حتى يصير على الحال التي وُلد عليها إن اتَّقى ربَّه في حجِّه بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كُنْتُ قَاعِدًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِدِ مِنًى فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَرَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ فَسَلَّمَا، ثُمَّ قَالاَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْنَا نَسْأَلُكَ»، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتُمَا أَخْبَرْتُكُمَا بِمَا جِئْتُمَا تَسْأَلاَنِي عَنْهُ فَعَلْتُ، وَإِنْ شِئْتُمَا أَنْ أُمْسِكَ وَتَسْأَلاَنِي فَعَلْتُ»، فَقَالاَ: «أَخْبِرْنَا يَا رَسولَ اللهِ»، فَقَالَ الثَّقَفِيُّ لِلأَنْصَارِيِّ: «سَلْ»، فَقَالَ: «أَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللهِ»، قَالَ: «جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي عَنْ مَخْرَجِكَ مِنْ بَيْتِكَ تَؤُمُّ البَيْتَ الحَرَامَ وَمَا لَكَ فِيهِ، وعَنْ رَكْعَتَيْكَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَمَا لَكَ فِيهِمَا، وَعَنْ طَوَافِكَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَمَا لَكَ فِيهِ، وَوَقُوفِكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَمَا لَكَ فِيهِ، وَعَنْ رَمْيِكَ الجِمَارَ وَمَا لَكَ فِيهِ، وَعَنْ نَحْرِكَ وَمَا لَكَ فِيهِ، وَعَنْ حَلْقِكَ رَأسَكَ وَمَا لَكَ فِيهِ، وَعَنْ طَوَافِكَ بِالبَيْتِ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَا لَكَ فِيهِ مَعَ الإِفَاضَةِ»، فَقَالَ: «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، عَنْ هَذَا جِئْتُ أَسْأَلُكَ»، قَالَ: «فَإِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ تَؤُمُّ البَيْتَ الحَرَامَ لاَ تَضَعُ نَاقَتُكَ خُفًّا وَلاَ تَرْفَعُهُ إلاَّ كَتَبَ اللهُ لَكَ بِهِ حَسَنَةً وَمَحَا عَنْكَ خَطِيئَةً، وَأَمَّا رَكْعَتَاكَ بَعْدَ الطَّوَافِ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَأَمَّا طَوَافُكَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ بَعْدَ ذَلِكَ كَعِتْقِ سَبْعِينَ رَقَبَةً، وَأَمَّا وُقُوفُكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَهْبِطُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِكُمُ الْمَلائِكَةَ يَقُولُ: عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي، فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكُمْ كَعَدَدِ الرَّمْلِ، أَوْ كَقَطْرِ الْمَطَرِ، أَوْ كَزَبَدِ الْبَحْرِ لَغَفَرَهَا -أَوْ لَغَفَرْتُهَا-، أَفِيضُوا عِبَادِي مَغْفُورًا لَكُمْ وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ، وَأَمَّا رَمْيُكَ الجِمَارَ فَلَكَ بِكُلِّ حَصَاةٍ رَمَيْتَهَا كَبِيرَةٌ مِنَ الْمُوبِقَاتِ، وَأَمَّا نَحْرُكَ فَمَذْخُورٌ لَكَ عِنْدَ رَبِّكَ، وَأَمَّا حِلاَقُكَ رَأْسَكَ فَلَكَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَلَقْتَهَا حَسَنَةٌ وَيُمْحَى عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةٌ، وَأَمَّا طَوَافُكَ بِالبَيْتِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّكَ تَطُوفُ وَلاَ ذَنْبَ لَكَ، يَأْتِي مَلَكٌ حَتَّى يَضَعَ يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْكَ فَيَقُولُ: اعْمَلْ فِيمَا تَسْتَقْبِلُ فَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا مَضَى»(١٢).

٣- العتق من النار، ومفاخرة الله الملائكةَ بالحجَّاج -يوم عرفة-:
فالحجُّ سبب العتق من النار، لحديث عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ المَلائِكَةَ..»(١٣)، وذلك بأن يُظهر لهم فَضْلَ الحجَّاج، ويُريَهم حُسْنَ عملهم، ويُثنيَ عليهم عندهم، إظهارًا لعظمة ما قاموا به من طاعةٍ وقربةٍ، ومن المفاخرة بهم أن يقول: «انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هَؤُلاَءِ جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا»(١٤).

٤- نيل شرف الوفود على الله:
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «الغَازِي فِي سَبِيلِ اللهِ وَالحَاجُّ وَالمُعْتَمِرُ وَفْدُ اللهِ، دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ، وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ»(١٥)، والوفدُ هم الركبان المكرمون، والجماعة المختارة من القوم يتقدَّمونهم في لُقِيِّ العظماء والمصير إليهم في المَهمَّات(١٦)، وأَكْرِمْ بها من منزلةٍ يستحقُّ أهلها الفضلَ والتبجيل، قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «لَوْ يَعْلَمُ المُقِيمُونَ مَا لِلحُجَّاجِ عَلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ لَأَتَوْهُمْ حِينَ يَقْدَمُونَ حَتَّى يُقَبِّلُوا رَوَاحِلَهُمْ لِأَنَّهُم وَفْدُ اللهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ»(١٧).

٥- نيل أجر أفضل الأعمال:
فالحجُّ من أفضل الأعمال، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سئل: «أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟» قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»، قِيلَ: «ثُمَّ مَاذَا؟» قال: «جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ»، قِيلَ: «ثُمَّ مَاذَا؟» قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ»(١٨)، ولمَّا كانت النساء غير مخاطَباتٍ بالجهاد على وجه الحتم واللزوم عُوِّضن عن جهادهنَّ بالحجِّ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «يَا رَسُولَ اللهِ، نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلاَ نُجَاهِدُ؟» قَالَ: «لاَ، لَكِنَّ أَفْضَلُ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ»(١٩).

٦- تيسُّر عباداتٍ يُضاعَف أجرها لا تؤدَّى إلاَّ حيث يؤدَّى الحجُّ أو في المدينة النبوية:
كالطواف، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ طَافَ بِالبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ»(٢٠)، ومنه: استلام الركنين الواردِ فيهما من الفضل والخير الشيءُ الكثير، كحديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: «إِنَّ مَسْحَ الرُّكْنِ اليَمَانِيِّ وَالرُّكْنِ الأَسْوَدِ يَحُطُّ الْخَطَايَا حَطًّا»(٢١).

والصلاة بالمسجد الحرام والمسجد النبويِّ، لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلاَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ»(٢٢)، ومسجدِ قباء لحديث أبي أمامة بن سهل بن حُنَيْفٍ رضي الله عنهما قال: قَالَ أَبِي: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ -مَسْجِدَ قُبَاءَ- فَصَلَّى فِيهِ كَانَ لَهُ عَدْلَ عُمْرَةٍ»(٢٣).

٧- تحقيق التقوى وترسيخها في القلوب:
لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، قال الطبري -رحمه الله-: «تأويل ذلك: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ من أيَّام منًى الثلاثة فنفر في اليوم الثاني ﴿فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لحطِّ الله ذنوبَه إن كان قد اتَّقى اللهَ في حجِّه، فاجتنب فيه ما أمره الله باجتنابه وفعل فيه ما أمره الله بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلَّفه من حدوده، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾ إلى اليوم الثالث منهنَّ فلم ينفر إلى النفر الثاني حتى نفر من غد النفر الأوَّل ﴿فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لتكفير الله له ما سلف من آثامه وإجرامه وإن كان اتَّقى الله في حجِّه بأدائه بحدوده»(٢٤)، فالحجُّ من أعظم سبل تحصيل فضائل التقوى العظمى، ومنها: تقبُّلُ الأعمال لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، ونيلُ معيَّة التوفيق والتأييد لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل]، وتيسيرُ الأمور وتفريج المآزق العاجلة والآجلة لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، وغيرها من ثمرات تحصيل تقوى الله: كتسديد الأعمال، ونيل ولاية الله، والحفظ من كيد المتربِّصين بالسوء، ولذلك كانت التقوى وصيَّة الله للأوَّلين والآخرين.

٨- التذكير بمراحل أخرويةٍ كالبعث والحشر:
مِن محاسن الحجِّ ومنافعه العائدة على إيمان الحاجِّ بالنفع تذكُّرُه بحسب تعدُّد أعمال الحجِّ المراحلَ التي يمرُّ بها في الآخرة: فتزوُّدُه لسفره بكلِّ ما يحتاج إليه مدَّةَ ذهابه وإيابه يذكِّره بتزوُّده للعقبى، وهي السفرة الطويلة التي لا رجوع بعدها حتَّى يبعث اللهُ الأوَّلين والآخِرِين، ونزعُ المَخِيط الذي هو لباس الأحياء ولُبْسُه رداءين أبيضين ممَّا هو أشبه بلباس الأموات يحمله على تذكُّر الموت هادم اللذَّات، واجتماعُ الحجَّاج في مكانٍ واحدٍ بأعدادٍ هائلةٍ يذكِّر بالمجمع العظيم يومَ الحشر في صعيدٍ واحدٍ، يُسمعهم الداعي وَيَنْفُذُهُمْ البَصَرُ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حُفَاةً بلا نعالٍ عُرَاةً بلا ثيابٍ، بُهْمًا بلا متاعٍ ولا زادٍ، وحالُهم في منًى ومزدلفة وعرفاتٍ انتشارًا وتفرُّقًا لحاجاتهم ذهابًا ومجيئًا لتحقيق أغراضهم يذكِّر بقيام الناس من قبورهم منتشرين يركب بعضهم بعضًا من الحيرة التي حلَّت بهم، وقد وصف الله حالهم بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]، وقوله: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]، وهكذا ما من منسكٍ من أعمال الحجِّ إلاَّ وله ما يربطه باليوم الآخر والحياة الأبدية، الشيء الذي يدفع الحاجَّ للاجتهاد في العبادة استعدادًا لِمَا أمامه من أهوالٍ عظامٍ.

٩- الارتباط بجيل السلف من خلال الوقوف بالأماكن التي تذكِّر بهم:
في الحجِّ يتعلَّق بذهن الحاجِّ حال من سبقه إلى البقاع التي يؤدِّي بها مناسكه كالأنبياء والمرسلين وما مرَّ بها من أحداثٍ ومقاماتٍ لأصفياء الله المخلَصين، ومآثرهم الجليلة، وتعبُّداتهم الجميلة، والمتذكِّرُ لذلك مؤمنٌ بالرسل معظِّمٌ لهم، مُقْتَدٍ بهم وبآثارهم الحميدة، ذاكرٌ لمناقبهم وفضائلهم، فيزداد به العبد إيمانًا ويقينًا، وقد أُري النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أحوالَ من سبقه من الأنبياء، ومُثِّلوا له متنسِّكين بحجِّهم ومهلِّلين بتلبيتهم في حال حياتهم، فعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِوَادِي الأَزْرَقِ، فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» فَقَالُوا: «هَذَا وَادِي الأَزْرَقِ»، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤَارٌ(٢٥) إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ»، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى(٢٦)، فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟» قَالُوا: «ثَنِيَّةُ هَرْشَى»، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ السلام عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي»(٢٧)، مع التنبيه إلى أنه لا يُشرع قصدُ مقامات الأنبياء بالعبادة سدًّا لذريعة اتِّخاذها أعيادًا تشبُّهًا بأهل الكتاب، فعن معرور بن سُويدٍ قال: «خَرَجْنَا مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي حَجَّةٍ حَجَّهَا ... فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ حَجَّتِهِ رَأَى النَّاسَ ابْتَدَرُوا المَسْجِدَ فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالُوا: «مَسْجِدٌ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، فَقَالَ: «هَكَذَا هَلَكَ أَهْلُ الكِتَابِ قَبْلَكُمُ: اتَّخَذُوا آثَارَ أَنْبِيَائِهِمْ بِيَعًا، مَنْ عَرَضَتْ لَهُ مِنْكُمْ فِيهِ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِضْ لَهُ الصَّلاَةُ فَلْيَمْضِ»»(٢٨)، أمَّا إذا كان النزول بأماكن الأنبياء بحكم الاتِّفاق ممَّا يُعلم أنه لم يتحرَّ ذلك المكان فلا نكير يَرِدُ حالتئذٍ، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «فأمَّا قصدُ الصلاة في تلك البقاع التي صلَّى فيها اتِّفاقًا فهذا لم يُنقل عن غير ابن عمر من الصحابة، بل كان أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعليٌّ وسائر السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكَّة حجَّاجًا وعُمَّارًا ومسافرين، ولم يُنقل عن أحدٍ منهم أنه تحرَّى الصلاة في مصلَّيات النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومعلومٌ أنَّ هذا لو كان عندهم مستحبًّا لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنَّته وأتبع لها من غيرهم.. وتحرِّي هذا ليس من سنَّة الخلفاء الراشدين، بل هو ممَّا ابتُدع، وقول الصحابيِّ إذا خالفه نظيره ليس بحجَّةٍ، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة؟»(٢٩)، وقد يُتْعِب بعض الحجَّاج أنفسهم في زيارة أماكن -حبًّا للاطِّلاع- لا يترتَّب على زيارتها أجرٌ ولا ثوابٌ، ومن عجيبٍ تحمُّلُهم مشاقَّ الطريق الوعرة واندفاعُهم وتزاحُمُهم عليها في الوقت الذي يزهدون فيما لهم فيه عظيم الأجر.

١٠- استغلال فرصة الحجِّ لدعوة الناس إلى ما يقرِّبهم من الله:

فإنه يتيسَّر اجتماع الناس الحجيج من كلِّ أقطار العالَم ما لا يتيسَّر مثله في غير موسم الحجِّ، فيهتبل الداعي الفرصةَ ليعلِّمهم التوحيد والسنَّة، لا سيَّما مع فشوِّ الجهل، وزهادة الكثير منهم في تعلُّم الضروريِّ من دينهم الواجب بقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمَّد: ١٩]، وتربُّصِ المضلِّلين بهم، فيرجى له بذلك نيل الأجر الوارد في النصوص الصحيحة كقوله صلَّى الله عليه وسلَّم لعليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه: «فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ»(٣٠)، وقوله: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا»(٣١).

١١- تحقيق مبدإ الأخوَّة الإيمانية:
من منافع الحجِّ ترسيخ وحدة المسلمين وتلاحُمهم وتوثيق عرى المودَّة والإخاء فيما بينهم رغم تباعُد أقطارهم وتبايُن ديارهم واختلاف لغاتهم وتنوُّع أجناسهم وألوانهم، فتتحقَّق فيه معاني أوثق عرى الإيمان والبعد عن الفرقة والاختلاف مظهرًا وحقيقةً، ممَّا يزيد في هيبتهم ويقوِّي شوكتَهم، ويُرهب أعداءهم ويُثبِّط عزْمَ من يريدهم بسوءٍ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، فالرابطة التي تربط أفراد أهل الأرض بعضهم ببعضٍ، وتوحِّد شمْلَهم هي رابطة الإيمان التي قرَّرها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأكَّد معناها في خطبته بمنًى يوم النحر قائلاً: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ»، قَالُوا: «بَلَّغَ رَسُولُ الله»(٣٢).

١٢- شهود مجالس العلم:
حيث تقام بأرض الحرمين والمشاعر مجالس للعلماء عامرةٌ، فيستفيد الحاجُّ منها التفقُّهَ في دينه، والسؤالَ عمَّا أشكل عليه ليعبد الله على بصيرةٍ، فيرجع إلى بلده وقد تزوَّد خيرًا كثيرًا واستفاد علمًا جمًّا، واغتبط بسماع توجيهاتهم ونصائحهم، والتأدُّب بآدابهم وأخلاقهم.
١٣- بذل الزكاة للفقير المريد للحجِّ:
من فوائد الحجِّ بذل الزكاة لتحقيق الحجِّ للعاجز عنه مادِّيًّا، ويندرج ذلك ضمن قوله تعالى: ﴿..وَفِي سَبِيلِ اللهِ..﴾ [التوبة: ٦٠]، إذ الحاجُّ حجَّةَ الإسلام، والغازي الذي ليس له سهمٌ أو راتبٌ في الخزانة العامَّة ولو كان غنيًّا هما المقصودان بالآية فقط، لحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «أَرَادَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَّ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا: «أَحِجَّنِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَمَلِكَ»، فَقَالَ: «مَا عِنْدِي مَا أُحِجُّكِ عَلَيْهِ»، قَالَتْ: «أَحِجَّنِي عَلَى جَمَلِكَ فُلاَنٍ»، قَالَ: «ذَاكَ حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ امْرَأَتِي تَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ وَرَحْمَةَ اللهِ، وَإِنَّهَا سَأَلَتْنِي الْحَجَّ مَعَكَ، قَالَتْ: أَحِجَّنِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: مَا عِنْدِي مَا أُحِجُّكِ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ أَحِجَّنِي عَلَى جَمَلِكَ فُلاَنٍ، فَقُلْتُ: ذَاكَ حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللهِ»، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَحْجَجْتَهَا عَلَيْهِ كَانَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟»»(٣٣)، وسئل ابن عمر رضي الله عنهما عن امرأةٍ أوصت بثلاثين درهمًا في سبيل الله، فقيل له: «أتُجْعَلُ في الحجِّ؟» فقال: «أَمَا إِنَّهُ فِي سَبِيلِ اللهِ»(٣٤).

المطلب الثاني: منافع دنيوية:

لا تتوقَّف منفعة الحجِّ على المنافع الدينية فحَسْبُ، بل تتعدَّى إلى ما يعود على الحاجِّ بالنفع الدنيوي، ومنها:
١- نفي الفقر:
لمَّا جُبلت النفوس على حبِّ الغنى وبغض الفقر، ممَّا قد يكون معوِّقًا عن أداء مناسك الحجِّ فرَقًا من تقليل المال المدَّخر، فإنَّ الشارع الحكيم وعد الحاجَّ بنفعٍ دنيويٍّ متمثِّلٍ في تعويض نفقاته وإيتائه بالرزق من حيث لا يحتسب، فعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلاَّ الجَنَّةُ»(٣٥).

٢- الكسب المادِّيُّ بالتجارة:
يتيسَّر في موسم الحجِّ من السلع المعروضة للبيع بمختلف أشكالها الشيءُ الكثير، نظرًا لاجتماع شتَّى أنواعها من بقاعٍ مختلفةٍ من الأرض، وقد أباح الله سبحانه وتعالى للحاجِّ البيعَ والشراء زمنَ الحجِّ، ورفع عنه الحرج بذلك، لئلاَّ تفوته فرصة اقتناء ما لا يتوفَّر له ممَّا يحتاجه، فعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو المَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلاَمُ فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا فِيهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ» قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ»(٣٦)، قال الشنقيطي -رحمه الله-: «وقد أطبق علماء التفسير على أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أنه ليس على الحاجِّ إثمٌ ولا حرجٌ إذا ابتغى ربحًا بتجارةٍ في أيَّام الحجِّ إن كان ذلك لا يشغله عن شيءٍ من أداء مناسكه»(٣٧).

٣- الانتفاع بالبُدْن والهدايا:
لقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦]، ووجوه خيريتها الدنيوية متعدِّدةٌ منها: الأكل من لحمها، وحلبُ لبنها للشرب، وإطعام الفقراء والمحتاجين، وكذا الانتفاع بركوبها، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا»، فَقَالَ: «إِنَّهَا بَدَنَةٌ»، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا»، قَالَ: «إِنَّهَا بَدَنَةٌ»، قَالَ: «ارْكَبْهَا وَيْلَكَ»(٣٨).

٤- الحجُّ محفل لقاءٍ يجمع بين المغتربين:
تيسُّرُ اجتماع المسلمين من أقطار الدنيا في أيَّامٍ معدوداتٍ يمكِّن من استفادة بعضهم من بعضٍ فيما يَهُمُّ الجميعَ مِن أمور الدنيا والمعيشة، وفيه يلتقي المسلم بإخوانه المسلمين الوافدين إلى هذا البيت من مشارق الأرض ومغاربها، فيتعارفون ويتشاورون فيما بينهم لفكِّ نزاعاتهم وحلِّ قضاياهم واستيفاءِ بعضهم بعضًا حقوقَهم: كسداد الديون وردِّ الودائع وما لا يتسنَّى لهم إلاَّ باللقاء، كما حدث لابن الزبير رضي الله عنهما الذي أوصاه أبوه قبل موته بقضاء دينه فإنه لمَّا فرغ من قضاء دَيْنِه قال بنو الزبير: «اقْسِمْ بَيْنَنَا مِيرَاثَنَا»، قَالَ: «لاَ وَاللهِ لاَ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أُنَادِيَ بِالمَوْسِمِ أَرْبَعَ سِنِينَ: أَلاَ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَلْنَقْضِهِ»، قَالَ: فجعل كلَّ سنةٍ ينادي بالموسم، فلمَّا مضى أربعُ سنين قَسَمَ بينهم(٣٩).
هذا، وللحجِّ منافع وفوائد كثيرةٌ يربِّي الحاجُّ من خلالها نفسه على الأخلاق الفاضلة: من تصفية النفس، وتعويدها البذلَ والإنفاقَ وتحمُّلَ المشاقِّ، وترْكِ الزينة والخُيَلاء، وشعورِ المرء بمساواته لغيره فلا ملكَ وَلا مملوكَ ولا غنيَّ ولا فقيرَ، بل الكلُّ في المشاعر سواءٌ مظهرًا وافتقارًا إلى الله ومسكنةً، ومن محاسنه: تعويدُ النفس التوكُّلَ على الله، وتوطينها على الانصياع للجماعة وتركِ الانفراد بالرأي، واعتيادُ النظام حالَ الاجتماع، وشحذُ الهمم للاجتهاد في معالي الأمور والابتعاد عن سفاسفها ودونِها، والحرصُ على النفع الشخصي والمتعدِّي، وحبسُ الأذى عن الغير، وحصولُ التعارف بين الشعوب والقبائل، وتبادُل المعلومات والخبرات، وغيرها من الفضائل النافعة والمحاسن الجامعة.
تلك بعضٌ من المنافع الدينية والدنيوية للحجِّ، مذكورةٌ على سبيل التذكير لا لقصد الحصر والتقييد، لأنَّ تنكير لفظة ﴿مَنَافِعَ﴾ في الآية السابقة يدلُّ على كثرتها وشيوعها، والإحاطةُ بها ضربٌ من المستحيل لقصور إدراك المخلوق وضحالة علمه، وما أوتي منه فقليلٌ، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقال أيضًا: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦، ٢٣٢، آل عمران: ٦٦، النور: ١٩]، وفي حديث قصَّة مصاحبة موسى الخضِرَ عليهما السلام: «.. وَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي البَحْرِ نَقْرَةً، فَقَالَ لَهُ الخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلاَّ مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ مِنْ هَذَا البَحْرِ»(٤٠)، كما أنَّ الضمير في قوله تعالى: ﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ يدلُّ على أنَّ منافع الحجِّ العظيمةَ لا ترجع إلى الله تعالى، لأنه سبحانه الصمد الذي كَمُل في أنواع الشرف والسؤدد، والغنيُّ الذي قد كمُل في غناه، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «وأنه إنما وضع البيتَ وأوجب حجَّه ليشهدوا منافع لهم لا لحاجةٍ إلى الحُجَّاج كما يحتاج المخلوقُ إلى من يقصده ويعظِّمه، لأنَّ الله غنيٌّ عن العالَمين»(٤١)، وإنما تعود على العباد أنفسهم ليصبحوا أهلاً لكرامة الله تعالى في الدنيا والآخرة، وهي من أعظم نِعَم الله التي أنعم بها على عباده، فما أنعم عليهم بنعمةٍ أجلَّ من أن هداهم لِما فيه سببٌ لكرامة الله لهم، وجعلهم من أهلها وممَّن ارتضاهم لها.

فالحجُّ فرصةٌ ثمينةٌ ومناسَبةٌ عظمى لا ينالها إلاَّ موفَّقٌ، ولا يأباها إلاَّ محرومٌ، فحقيقٌ بمن توفَّرت فيه شروطه أن يبادر إليه، مستكثرًا الوفودَ إلى الله مسابقًا إلى الخيرات ما دام في العمر فُسحةٌ ومِن الوقت مُهلةٌ، قبل حلول الأجل وفوات الأوان، رجاءَ أن تكون خاتمته بالحسنى، فإنَّ الله إذا أراد بعبدٍ خيرًا يفتح له عملاً صالحًا قبل موته، حتى يرضى عنه من حوله(٤٢)، قال الحميديُّ: «وحجَّ سُفيانُ -أي: ابن عيينة- ستِّين حجَّةً؛ فكان يقول كلَّما دفع من الموقف: اللهُمَّ لا تجعلْه آخرَ العهد منِّي، فلمَّا كان تمام الستِّين حجَّةً؛ قال: اللهمَّ إنِّي هو ذا أستحيِي أن أسألك أن لا تجعلَه آخِرَ العهد منِّي»، فمات في تلك السنة»(٤٣).
سائلين الموْلَى العزيز الغفََّار أن يتقبَّل أعمالَنا ويختمَ بالصالحات آجالَنا، وَآخرُ دَعوانا أنِ الحمْدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: ١٤ شعبان ١٤٣٣ﻫ

الموافق ﻟ: ٠٤ جويلية ٢٠١٢م

http://www.riadeljanna.com/vb/images/smilies/012.gif

فله المميزة
16 Oct 2012, 04:06 AM
جزاك الله خير

رياض أبو عادل
16 Oct 2012, 11:02 AM
جزاك الله خير

http://www.ala7ebah.com/upload/images/bsm.gif
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيرا
شـكــ وبارك الله فيكم ـــرا ...

http://www.riadeljanna.com/vb/images/smilies/012.gif

خزااامى
16 Oct 2012, 11:49 AM
بوركت جهودك أخي الفاضل

جزيت خيرا ....

رياض أبو عادل
16 Oct 2012, 11:54 AM
بوركت جهودك أخي الفاضل

جزيت خيرا ....





http://www.ala7ebah.com/upload/images/bsm.gif
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
آمين
جزاكم الله خيرا
شـكــ وبارك الله فيكم ـــرا ...

http://www.riadeljanna.com/vb/images/smilies/012.gif

رونق الامل
23 Oct 2012, 01:40 PM
جزاك الله خيرا

رياض أبو عادل
23 Oct 2012, 04:16 PM
جزاك الله خيرا


http://www.ala7ebah.com/upload/images/bsm.gif


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحسن الله إليكم
شـكــ وبارك الله فيكم ـــرا ...
http://www.riadeljanna.com/vb/images/smilies/012.gif

عبدالله الكعبي
01 Nov 2012, 09:14 PM
بارك الله فيك و جزاك الله خيرا على الموضوع

رياض أبو عادل
04 Nov 2012, 10:30 AM
بارك الله فيك و جزاك الله خيرا على الموضوع



http://www.mekshat.com/pix/upload04/images199/mk50153_domain-6f07493f90.gif