المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من كتاب تذكير المصاب بما ينبغي عند فقد الأحباب



ام حفصه
11 Oct 2011, 02:25 AM
بقلم
مُحمد بن أحمد بن مُحمد الحريري
عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات الإسلامية
بجامعة الملك عبد العزيز
عفا الله عنه وعن والديه
تقديم فضيلة شيخنا صالح بن عبد الله العصيمي
غفر الله له ولوالديه
بسم الله الرحمن الرحيم
إن رابطة القرابة أو الصُّحبة لا يُحَلُّ عقدها بمثل الموت؛ فهو مُفرِّق الجماعات، ومبيد اللَّذات، ولا لوعةَ تحرق الحشا ألذع من فقد قريب، وفراق حبيب، وكيف لا تتجرع النفس غصَّة الألم، ويثقل عليها المصاب؛ وقد زال خيال، وأفل نجم، واستتر قمر، وغربت شمس.
افترقت الأبدان، وانطوت صفحات زمان، ولم يبق إلا كان وكان.
كم مرة كنت تُناديه باسمه، وتبادِله الأُنس، في وقائع مختلفة، بأرواح مؤتلفة، اجتمعت ولم تذق طعم فراق، وتعلَّقت وظنت دوام الاتفاق!
حتى إذا ورد وارد الموت، وجاءت سكرته بالحق، وأيقن المرء أنه مرتحل عن الدنيا، أظلته سحابة الفراق، وأمطر وابلها فغمر ما له من قرابةٍ وأحباب، فذهب الميت في سيلها الجارف، مخلِّفاً وراءه من أحب، وبقي صحابته الأحباب من بعده وبهم حزنٌ وترحٌ من أثرها.
ولو كان أحدٌ يقدر على دفع الآلام، أو الفرار منها لاستفرغ المرء قوته في ذلك، ولكن حقَّ قول ربي: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن26].
ولا محيدَ لمن رام النَّجاة؛ من سلوك السَّبيل الشَّرعيَّة، والطَّريقة المرضيَّة في مقابلة مصيبة الموت.
ورغبةً في إبانتها، وسعياً في إيضاحها قيَّد صاحبنا الشيخ محمد بن أحمد الحريري هذه الإفادة؛ نفثةَ مصدورٍ، ولفحةَ مكدورٍ، لمست أثرها إبَّان جريان قلم القدر عليه بوفاة طائفةٍ من أهله متتابعين، ثم إبَّان إجرائه قلم الشريعة بما يحسن بالمصابين، فجاءت إفادةً نافعةً مناسبةً للمقام، صالحةً لإشاعتها فيما يُشاكِل هذه الحال؛ عند وفاة حبيبٍ أو قريب.
نفعه الله بما كتب ونفع المسلمين، ووفقني وإياه لاتباع سبيل المؤمنين.
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن أحمد بن محمد الحريري
إِلى مَنْ شَارَكَهُ في فَقْدِ قَرِيبٍ أَو حَبِيب()،،،
سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته
أما بعد:
فإنه لا يخفى عليكم ما فُجِعنا به في الأيام الماضية؛ من فقدٍ لأحبةٍ لنا، بعد أن أحببناهم وأحبونا، وجالسناهم وجالسونا، فـ(لله ما أَخَذَ ولهُ ما أعطى، وكلُّ شيءٍ عندهُ بأجلٍ مُسَمَّى)()، (تَدْمَعُ العَينُ وَيحزَنُ القلبُ، ولا نقولُ إلاَّ ما يُرضي رَبَّنَا)()، فإنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعُون.
لذلك أحببتُ أن أُذكِّرَ نفسي وإياكم في هذه العُجالة ببعضِ الوقفاتِ من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
الوقفة الأولى: أوصيكم ونفسي بالصبر؛ فالله جلَّ وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر10]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد31].
وقال ﷺ: (عجباً لأمر المؤمن إنَّ أَمرَه كُلَّه خيرٌ له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابَتْه سَرَّاءُ شَكَرَ فكان خيراً له، وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكان خيراً له)().
وقال ﷺ: (يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمنِ عندي جزاءٌ إذا قبضتُ صَفِيَّهُ من أهلِ الدُّنيا ثم احتسَبَه إلا الجَنَّة)().
وقوله: (صَفِيَّهُ) أي: حبيبهُ؛ كالولد والأخ، وكل من يحبه الإنسان.
وفي الحديث: (...والصلاةُ نور، والصدقةُ برهانٌ، والصبرُ ضياءٌ)().
(ومن يتصَبَّرْ يُصَبِّرْه اللهُ، وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسعَ من الصبر)().
قيل لابن عمر رضي الله عنهما: "إن أسماء بنت أبي بكر في ناحية المسجد ـ وذلك حين صُلب ابنُها عبد الله بن الزبير ـ فذهب إليها، وقال: إن هذه الجثث ليست بشيء، وإنما الأرواح عند الله فاتقي الله واصبري".
وجاء رجلٌ إلى صِلَةَ بن أَشْيَم يخبره بوفاة أخيه، فقال صلةُ للرجل: ادْنُ فكل فقد نُعيَ إليَّ أخي منذ حين قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر30].
إن كنـت تـعـلمُ مـا تأتـي وما تـذرُ فكن على حذرٍ قد ينفعُ الحذرُ
واصبر على القدر المحتوم وارضَ به وإن أتـاك بـما لا تشتهي القدرُ
فـمـا صفـا لامرئٍ عـَيـشٌ يُسَرُّ بـه إلا سيـتبـع يـوماً صَفْوَهُ كـدرُ
فلنصبر على أمر الله رضاً بما عند الله، ولنتذكَّر فجيعة الأُمة بفقد رسولها ﷺ، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: (يا أيها الناس! أيما أحد من الناس ـ أو من المؤمنين ـ أصيبَ بمُصيبة فَلْيتعَزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإنَّ أحداً من أمتي لن يُصابَ بمصيبةٍ بعدي أشد عليه من مصيبتي)().
وما فَقَدَ الماضُونَ مِثلَ مُحمَّدٍ ولا مِثْلُهُ حَتَّى القِيامَة يُفْقَدُ
وهذا هو حال الدنيا: (كراكبٍ استظل تحت شجرة، ثم راح وتَرَكها)().
ولو كان أحدٌ ناجياً لنجا خليلُ الله ﷺ! ولكن الأمر كما قال الله جل في عُلاه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران185]، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران144]، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء34]، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ [النساء78].
روي أنَّ أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه كان إذا عَزَّى رجلاً قال: "ليس مع العزاء مصيبة، ولا مع الجزع فائدة، الموتُ أهون مما قبله، وأشد مما بعده، اذكروا فقدَ رسول الله ﷺ تصغر مصيبتكم، وأعظم الله أجركم"().
أتى جبريلُ إلى النبي ﷺ فقال: (يا محمد عِشْ ما شِئْتَ فإنك مَيِّتٌ، وأحبِبْ من شئْتَ فإنك مُفارقُهُ، واعمَلْ ما شئتَ فإنك مَجْزِيٌّ به، واعلَم أن شَرَفَ المؤمنِ قيامُه بالليل، وعِزُّهُ استغناؤُه عن الناس)().
إني مُعَزِّيكَ لا أني على ثقةٍ من الخلود ولكن سُنـَّةُ الدِّيـنِ
فما المُعزَّى بباقٍ بعد ميِّتـهِ ولا المُعزِّي ولو عاشا إلى حينِ
فالموت حق و(من أراد أن يعلمَ مَا لَهُ عند الله جلَّ ذِكْرُه، فلينظُر ما لله عزَّ وجل عنده)().
*****
الوقفة الثانية: علينا ألاَّ ننسى أمواتَنا بعد رحيلهم؛ بل نحرص على بِرِّهم ونفعهم والإحسان إليهم بالطرق المشروعة التي دَلَّت عليها نصوص الكتاب والسنة؛ ومنها:
أ ـ الصدقة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رجلاً قال للنبي ﷺ: إن أبي مات وترك مالاً ولم يوصِ، فهل يُكَفِّرُ عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم)().
وعن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، قلت: فأي الصَّدقةِ أفضل؟ قال: سقي الماء)().
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن سعد بن عبادة رضي الله عنه تُوفِّيت أُمُّه وهو غائبٌ عنها، فقال: يا رسول الله إنَّ أمي توفيت، وأنا غائبٌ عنها أينفعُها شيءٌ إن تصدَّقتُ به عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أُشهِدُكَ أن حائطي المِخْراف صدقة عليها)().
ومعنى قول سعد: (حائطي المِخْراف) أي: بستاني المثمر؛ سُمِّي بذلك لما يُخرَفُ منه؛ أي يُجنى من ثمره.
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (أن رجلاً قال للنبي ﷺ: إن أمي افتُلِتَتْ نفسها، وأراها لو تكلَّمَت تصدَّقت، أفأتصدَّق عنها؟
قال: نعم تصدق عنها)().
وقوله: (افتُلِتَتْ نفسها) أي: خرجت روحها فجأة.
وينبغي التنبيه هنا على وجوب المسارعة بقضاء الديون التي على الميت قبل تقسيم تركته على الورثة، بل قبل تنفيذ وصيته ـ أيضاً ـ؛ قال الله تعالى بعد أن ذكر تقسيم الميراث: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً منَ الله وَالله عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء 12]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن امرأةً من جُهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟
قال: نعم حجي عنها؛ أرأيت لو كان على أمك دَينٌ أكنت قاضيته؟! اقضوا الله؛ فاللهُ أحقُّ بالوفاء)().
وعن سعد بن الأطول رضي الله عنه قال: (مات أخي وترك ثلاث مائة دينار، وترك ولداً صغاراً، فأردتُ أن أُنفقها عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ: إن أخاك محبوسٌ بدينه؛ فاذهب فاقض عنه، قال: فذهبتُ فقضيتُ عنه، ثم جئتُ فقلت: يا رسول الله؛ قد قضيتُ عنه ولم يبق إلا امرأة تَدَّعي دينارين وليست لها بينة؟! قال: أعطها فإنها صادقة)().
وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: (صَلَّى رسول الله ﷺ ذات يومٍ فقال: هاهُنا أحدٌ من بني فلان؟ ـ فنادى ثلاثاً لا يجيبه أحد! ـ ثم قال: إن الرجل الذي مات بينكم قد احتبس عن الجنة من أجل الدَّين الذي عليه؛ فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسْلِموه إلى عذابِ الله)().
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه)().
قال الصنعاني: "هذا الحديث من الدلائل على أنه لا يزال الميت مشغولاً بدَيْنه بعد موته، ففيه حثٌّ على التخلص عنه قبل الموت، وأنه أهم الحقوق، وإذا كان هذا في الدَّين المأخوذ برضا صاحبه؛ فكيف بما أُخِذَ غصباً ونهباً وسلْباً؟!".
وقال ابن عبد البر: "وفي هذا الحديث من الفقه أن قضاء الدَّين عن الميت بعده في الدنيا ينفعه في آخرته؛ ولذلك أُمر وليه بالقضاء عنه، ولا ميراث إلا بعد قضاء الدَّين".
ب ـ الدعاء: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر10].
وقال تعالى حكايةً عن نوحٍ عليه السلام: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً﴾ [نوح 28].
وقال حكايةً عن إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم40ـ41].
وقال عز وجل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد 19].
وقال ﷺ: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة؛ إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)().
قال المُناوي: "وفائدةُ تَقييدِهِ بالولد مع أن دُعاء غَيرهِ ينفَعُه؛ تَحْرِيضُ الولدِ على الدُّعاءِ لأَصْلِه".
وفي الحديث: (إن الرَّجُل لتُرفع درجته في الجنة فيقول: أَنَّى هذا؟! فَيُقال: باستغفارِ ولدك لك())().
وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ استغفار الولدِ لأبيهِ بعد موته كاستغفارهِ هُوَ ـ أي الأَب ـ لنفسهِ؛ من جهةِ المغفرة وتَرتُّب الثَّواب.
وقد دعا ﷺ لبعض أصحابه بعد وفاتهم؛ فدعا لأبي سلمة بعد موته بقوله: (اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عَقِبِهِ في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافْسَحْ له في قبره ونَوِّر لهُ فيه)().
وقوله: (واخلفه في عقبه في الغابرين) أي: كُنْ خَليفةً له في البَاقين مِن أولاده، و(الغابرين) هُنَا: البَاقين؛ كقولهِ تعالى عن لوط: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف83].
ودعا ﷺ لميتٍ آخر فقال: (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نُزُلَه ووسِّع مُدخَله واغسله بالماء والثلج والبرد، ونَقِّه من الخطايا كما نَقَّيتَ الثوب الأبيض من الدَّنَس، وأبدلهُ داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخلهُ الجنة، وأَعِذْهُ من عذابِ القبر)().
ودعا أيضاً بقوله: (اللهم اغفر لحَيِّنَا ومَيِّتِنا، وشاهدِنا وغائبِنا، وصغيرِنا وكبيرِنا، وذكرِنا وأُنثانا، اللهم من أحيَيْتَهُ مِنَّا فأحْيِهِ على الإسلام، ومن توفَّيْتَهُ مِنَّا فتَوَفَّهُ على الإيمان، اللهم لا تَحْرِمْنَا أَجْرَه، ولا تُضِّلَّنا بَعْدَه)().
ومن دعائه: (اللهم إنَّ فُلانَ بنَ فُلانٍ في ذِمَّتِكَ، وحَبْلِ جِوارِكَ، فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وعَذاب النَّار، وأنتَ أهلُ الوَفَاء والحق، اللهم فاغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم)().
ومنه قوله ﷺ: (اللهم عبدُك وابنُ أمتك احتاج إلى رحمتك، وأنت غنيٌ عن عذابه، فإنْ كانَ مُحْسناً فَزِد في إحسانه، وإنْ كانَ مُسيئاً فتجاوز عنه)().
وروي عن أبي هريرة أنه ﷺ دعا بقوله: (اللهم عبدُك وابنُ عبدِك، كان يشهدُ أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبدُك ورسولُك، وأنت أعلمُ به مني، إن كان مُحْسناً فَزِدْ في إحسانِه، وإن كان مُسيئاً فاغفِرْ له، ولا تَحرِمْنَا أجرَه، ولا تَفْتِنَّا بَعدَه)().
وعن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفاً ـ وهو أصح ـ أنه كان يدعو للمَيِّت فيقول: (اللهم عَبْدُك وابنُ عبدك وابنُ أمتك، كان يشهدُ أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلَمُ به، اللهم إنْ كان محسناً فزِدْ في إحسانه، وإنْ كان مسيئاً فتجاوزْ عن سيئاته، اللهم لا تحرِمْنا أجرَه، ولا تَفْتِنَّا بَعدَه)().
وكان عمر رضي الله عنه يدعو ثلاثاً للميت فيقول: (اللهم أصبح عبدك فُلان ـ إن كان صباحاً، وإن كان مساء قال: أمسى عبدك ـ قد تخلى من الدنيا، وتركها لأهلها، وافْتَقَرَ إليك، واستغنيتَ عنه، وكان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدُك ورسولُك، فاغفر له وتجاوز عنه)().
ودعا علي رضي الله عنه لميتٍ فقال: (اللهم عبدك، وولد عبدك، نزل بك اليوم، وأنت خير مَنْزُولٍ به، اللهم وسِّع له في مدخله، واغفر له ذنبه، فإنا لا نعلم منه إلا خيراً، وأنت أعلم به)().
وكان أنس رضي الله عنه يدعو بقوله: (اللهم عبدك رُدَّ إليك، فارْأَفْ به وارحمه، اللهم جافِ الأرض عن جَنْبَيه، وافتح أبواب السَّماء لروحه، وتَقَبَّلْهُ منك بقبولٍ حسن، اللهم إن كان محسناً فضاعف له في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه سيئاته)().
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يدعو للمَيِّت فيقول: (اللهم بارِك فيه، وصَلِّ عليه، واغفِر له، وأَورِدْهُ حَوضَ رسولك ﷺ)()().
فلنُكثِر من الدُّعاء لأمواتنا؛ لعَلَّ الله تعالى أن يُيَسِّر لنا من يدعو لنا بعد وفاتنا، فالإنسانُ أحوجُ ما يكون إلى دُعاءِ إخوانِه لهُ بالمغفرةِ والتثبيتِ، بعد فِراقهِ لهذه الدنيا الفانية.
يُروَى عن بعض السَّابقين أنه قال: "صَلَّيتُ ركعتين في الليل، ثم وضعتُ رأسي على قبرٍ ثم نمت! فإذا صاحب القبر يقول: لقد آذيتني مُنذُ الليلة، إنَّكُم تعملونَ ولا تعلمون، ونحنُ نعلَمُ ولا نعمَل، ولا نقدر على العمل، وَلأَنْ تكونَ ركعتاكَ في صحيفتي أحب إليَّ من الدنيا وما فيها! ثُم قال: جزى الله أهلَ الدنيا عنا خيراً، أقرئهم منا السَّلام؛ فإنَّهُ يدخلُ علينا من دُعائِهم نُورٌ أمثال الجبال!"().
ج ـ الحج والعمرة(): فقد أَمَرَت امرأةُ سنان بن سلمة الجهني زوجها: (أن يسأل رسول الله ﷺ أن أمها ماتت ولم تحج، أفيجزىءُ عن أمها أن تحج عنها؟ قال: نعم؛ لو كان على أمها دَينٌ فَقَضَتهُ عنها ألم يكن يجزىءُ عنها؟! فلتحج عن أمها)().
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن امرأةً من جُهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟
قال: نعم حجي عنها؛ أرأيت لو كان على أمك دَينٌ أكنت قاضيته؟! اقضوا الله؛ فاللهُ أحقُّ بالوفاء)().
وعن أبي رَزِين العُقَيلي رضي الله عنه قال: (يارسول الله إنَّ أبي شيخٌ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظَّعن؟ قال: فحج عن أبيك واعتمر)().
و(الظَّعن) هنا معناهُ: الركوب على الدَّابةِ والسَّير بها.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبَّيكَ عن شُبْرُمَة، قال: من شُبْرُمَة؟ قال: أخ لي ـ أو قريب لي ـ، قال: حججتَ عن نفسك؟ قال: لا! قال: حُجَّ عن نفسك ثم حُجَّ عن شُبْرُمَة)().
وفي هذا الحديث لم يَسْتَفْصِل النبي ﷺ من هذا الرجل؛ هل حجه عن شبرمة حج فرض أم نفل؟ وهل كان شبرمة حياً أو ميتاً؟ لذلك اسْتُدِلَّ بهذا الحديث على جوازِ حج النفل أيضاً عن الميت، وهذا هو المشهور من مذهبِ الحنابلة رحمهم الله.
د ـ تَفقُّدُ أحبابهم وأصدقائهم والسؤال عنهم: فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنَّ من أَبَرِّ البِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أبيهِ بعدَ أنْ يُوَلِّي)().
وَوُدُّ الرجلِ هو صديقُه وحبيبُه ومن يأنَس به، قال النووي رحمه الله: "في هذا فضل صِلَةِ أصدقاءِ الأبِ، والإحسانِ إليهم وإكرامِهم، وهو متضمنٌ لبِرِّ الأبِ وإكرامِه؛ لكونه بسببِه، وتلتحق به أصدقاءُ الأمِّ والأجدادِ والمشايخِ والزوجِ والزوجةِ، وقد سبقت الأحاديثُ في إكرامهِ ﷺ خلائلَ خديجة رضي الله عنها()".
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من البر أن تَصِلَ صديقَ أبِيكَ)().
وإنما كان هذا من البر، بل من أبَرِّ البِرِّ ـ كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم ـ؛ لأن هذا التواصلَ من الولد سببٌ لدُعاءِ ذلك الصديق المُحب لوالده، وترحُّمه عليه، وذِكرِ محاسنه، مما ينفعُ والدَه في قبره، ثم إنَّ الوفاء بحقوق الوالدين والأصحاب بعد موتهم أبلغ؛ لأن حصولَ ذلك في الحياة قد لا يخلو من مُجاملة، والميت لا يُستحى منهُ ولا يُجامل، فلا يكون ذلك التواصل إلا دليلاً على الوفاء، وحسنَ الخُلُق، وسلامةَ النفسِ من هذا الولد البار().
هـ ـ زيارة قبورهم للسَّلام عليهم والدُّعاء لهم: وذلك سُنَّةٌ في حقِّ الرِّجال؛ فقد قال ﷺ: (زوروا القبور؛ فإنَّها تُذَكِّرُ الموت)().
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (نَهَيتُكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنَّ فيها عِبْرَةً)().
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنَّها تُرِقُّ القلبَ وتُدْمِعُ العينَ وتُذَكِّر الآخرة)().
وعن بُريدة بن الحُصَيْب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إني كنت نهيتكم عن ثلاث؛ عن زيارة القبور فزوروها، ولْتَزِدْكُم زيارتُها خيراً...)().
وكان ﷺ يزور قبور أصحابه للسَّلام عليهم()، والدُّعاء لهم؛ فعن عطاء بن يسار عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله ﷺ ـ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ ـ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: (السَّلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً مُؤَجَّلُون، وإنَّا إِنْ شاءَ الله بكُم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغَرْقَد)().
وعنها رضي الله عنها أن النبي ﷺ: خرج ليلاً إلى البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفعَ يديهِ ثلاث مرَّات() ـ يدعو للأموات ـ...ثم علَّمها الدعاء: (السلام على أهلِ الديارِ من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستَقْدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون)().
قال النووي في شرح الحديث: "فيهِ استحبابُ إطالَةِ الدُّعاء وتكريره، ورَفْعُ اليدين فيه، وفيه أن دُعاءَ القائمِ أكمَل من دُعاء الجالس في القبور".
وعن بُريدة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يُعلِّمهُم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: (السَّلامُ عليكم أهلَ الدِّيار من المؤمنين والمسلمين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم لنا فَرَطٌ()، ونحنُ لكم تَبَعٌ، أسأل الله العافية لنا ولكم)().
وأخرجَ مسلمٌ من حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: (السَّلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، وإنَّا إنْ شاء الله بكم لاحقون).
وعن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي ﷺ كان يخرج إلى البقيع فيدعو لهم، فسألتهُ عائشة عن ذلك؟ فقال: إنِّي أُمرتُ أن أدعُوَ لهم)().
فلنحرص على زيارة قبور المسلمين؛ الزِّيارة الشَّرعيَّة؛ حتى نُحَصِّلَ هذه الحِكَم التي أخبرَ بها ﷺ؛ من تذكُّر الآخرة، والاتِّعاظ بحالهم وما آلُوا إليه تحتَ التراب وحدهم، ولتحصيل رِقَّة القلب، وأجر العمل بهذه السُّنَّة، ولكي ندعوَ لموتانا، ونُسلِّم عليهم سلاماً عاماً ـ كما في الأحاديث السابقة ـ، ونُسلِّم على معارفنا سلاماً خاصاً ـ يؤنسُهُم بإذن اللهِ ـ عند قبورهم()؛ للحديث: (ما من أحدٍ يَمُرُّ بقبرِ أخيهِ المؤمن كانَ يعرِفهُ في الدُّنيا فسلَّم عليهِ إلا عَرَفهُ ورَدَّ عليهِ السَّلام)().
*****
الوقفة الثالثة: أوصي أقرباء المتوَفَّى ـ وخاصَّة أولاده ـ بنبذ الفرقة والشِّقاق، وبأن يكونوا يداً واحدة، وألاَّ يجعلوا أي شيءٍ من حُطامِ هذهِ الدُّنيا الفانية! يؤثِّرُ في تلاحمهم وتراحمهم وتعاطفهم فيما بينهم؛ فالله جل وعلا يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران103].
ويقول تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال46].
وقال أيضاً: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات10].
وقال ﷺ: (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاث)().
وقال أيضاً: (لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاث ليال، يلتقيان فيُعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسَّلام)().
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (تُفتحُ أبوابُ الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس؛ فيُغْفَرُ لكُلِّ عَبْدٍ لا يُشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناءُ، فيُقال: أَنْظِرُوا هاذَين حتى يَصْطَلِحا، أنظِروا هاذَين حتى يَصْطَلِحا، أنظِروا هَذين حتى يَصْطَلِحا)().
وفي روايةٍ له: (تُعْرَضُ الأعمالُ في كل يوم خميس واثنين؛ فَيَغْفِرُ الله...).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يحِلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاثٍ فماتَ دخل النَّار)().
وعن فَضَالة بن عُبيد رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من هجر أخاه فوق ثلاثٍ فهو في النَّارِ، إلا أن يتداركهُ الله برحمته)().
وعن أبي خِرَاش الأسلمي رضي الله عنه أنه سَمِعَ النبي ﷺ يقول: (من هجر أخاهُ سَنَةً فهو كَسَفْكِ دَمِه)().
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تَحِلُّ الهجرة فوقَ ثلاثة أيام، فإن التقيا فسلَّم أحدهما على الآخر فردَّ عليه الآخر السَّلام اشتركا في الأجر، وإن أبى الآخر أن يرُدَّ السَّلام برىءَ هذا من الإثم، وباء به الآخر، وإن ماتا وهما مُتهاجِرانِ لا يجتمعانِ في الجنَّة!)().
وعن هشام بن عامر الأنصاري رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (لا يحل لمسلمٍ أنْ يُصَارِمَ مسلماً فوق ثلاث، وإنهما ناكِبانِ عن الحق ما كانا على صرامِهِما، وإنَّ أوَّلَهما فيئاً يكونُ سَبْقُهُ بالفيء كفارةً له، وإنْ سَلَّمَ عليه فلم يَقْبَلْ سلامَهُ رَدَّتْ عليهِ الملائكة، ورَدَّ على الآخر الشَّيطان، وإنْ ماتا على صرامِهِما لم يَدْخُلا الجنة، ولم يجتمعا في الجنة)().
فلا يحلُّ للإخوة بعد وفاة والديهم أن يتهاجروا، وأن يتركوا تَفَقُّدَ أحوال بعضهم بعضاً؛ بل عليهم أن يجتمعوا ويتزاوروا، ويعطف بعضهم على بعض؛ امتثالاً لأمر الله تعالى، وأمر رسوله ﷺ.
بل قد يكون في عدم استقامتهم على الخير، وفي تهاجرهم مضايقة لوالديهم في قبورهم! فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (إذا حضر المؤمن الموت، أتتهُ ملائكة الرَّحمة بِحَريرَةٍ بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضياً عنك إلى رَوْحِ الله وريحانٍ وربٍّ غيرِ غضبان، فتخرُجُ كأطيبِ ريحِ المسك، حتى إنه ليناوله بعضُهم بعضاً، حتى يأتونَ به بابَ السَّماء، فيقولون: ما أطيب هذه الرِّيح التي جاءتكم من الأرض! فيأتون به أرواحَ المؤمنين، فلهم أشدُّ فرحاً به مِنْ أحدِكم بغائبِه يَقْدمُ عليه! فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دَعُوهُ فإنَّهُ كان في غَمِّ الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟! قالوا: ذُهِبَ به إلى أُمِّهِ الهاوية()...)().
وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: (إذا قُبِضَت نَفْسُ العبد تلَقَّاهُ أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشير في الدنيا! فيُقبِلونَ عليه ليسألوه، فيقول بعضهم لبعض: أنْظِرُوا أخاكُم حتَّى يستريح؛ فإنهُ كانَ في كرب، فيُقبِلُونَ عليه فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعلت فلانة؟ هل تزوَّجت؟! فإذا سألوا عن الرجل قد مات قبله قال لهم: إنه قد هلك، فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذُهِبَ به إلى أُمِّه الهاوية، فبِئْسَتِ الأُمُّ وبئست المربية. قال: فَيَعْرِضُ عليهم أعمالهم، فإذا رأوا حسناً فرحوا واستبشروا، وقالوا: هذه نعمتك على عبدك فأتمها، وإن رأوا سُوءاً قالوا: اللهم راجع بعبدك)().
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: (إن أعمالكم تُعرضُ على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيراً استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تُمِتْهُم حتى تهديهم كما هديتنا)().
وينبغي أن نَعلم أنَّ الإنسان من طبعه النَّقص والخطأ والزَّلل فـ(كلُّ بني آدم خطَّاء)()، فلنُعوِّد أنفسنا على العفو() والرِّفق وتَحَمُّل الأذى، فاللهُ جَلَّ ذِكرُهُ يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور22].
وقال تعالى في وَصْفِ المتقين: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران134].
وقال أيضاً: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى43].
ويقول النبي الكريم ﷺ: (ما نَقَصَتْ صَدقةٌ من مال، وما زاد الله عبداً بعَفوٍ إلا عِزاً، وما تواضعَ أحدٌ لله إلا رفعهُ الله())().
وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ، ومن لا يغْفِر لا يُغْفَرُ له)().
وعنه رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (من يُحرَمِ الرِّفق يُحرَمِ الخيرَ كُله)().
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (ألا أُخبركُم بمن تَحرُمُ عليه النار؛ على كُل قَريبٍ هَيِّنٍ سَهْل)().
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: (من أُعطِيَ حظَّهُ من الرِّفق فقد أُعطيَ حظَّهُ من خيرِ الدُّنيا والآخرة، وصِلَةُ الرَّحِم وحُسن الخُلُق وحُسْن الجِوَار يَعمُران الدِّيارَ ويزيدانِ في الأعمار)().
لا يحملُ الحِقْدَ مَنْ تَعْلُو بهِ الرُّتَبُ وَلا ينالُ العُلا مَنْ طَبْعُهُ الغَضَبُ!
*****

ام حفصه
11 Oct 2011, 02:29 AM
الوقفة الرابعة: ينبغي علينا أن نُبادِرَ بالأعمالِ قبل حُلُولِ الأجل، فاليومَ عملٌ ولا حساب، وغداً حسابٌ ولا عمل، ولا ينتظر الإنسانُ حُلول أجله فيقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون99ـ100].
فأفضلُ الصَّدَقةِ ـ مثلاً ـ: (أن تَصَدَّقَ وأنتَ صَحيحٌ شَحيح؛ تخشى الفقرَ وتأمَلُ الغنى()! ولا تُمهِل حتى إذا بَلَغَتِ الحُلقوم قُلت: لفُلانٍ كذا ولفُلانٍ كذا، وقد كانَ لفُلان!)().
قال الحافظ ابن حجر: "في الحديث أن تنجيز وفاء الدَّين والتصدق في الحياة وفي الصِّحة أفضل منه بعد الموت وفي المرض؛...لأنه في حال الصِّحة يصعُبُ عليه إخراج المال غالباً؛ لما يُخَوِّفه به الشَّيطان ويُزيِّن لهُ إمكان طول العمر والحاجة إلى المال! كما قال تعالى:﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة268] الآية...".
فينبغي لنا أن نُبادِرَ بالأعمال قبل حُلولِ الآجال، وخاصة تلك الأعمال التي يجري علينا أجرُها في قبورنا إلى يوم القيامة؛ وهذه الأعمال قد وردت في النصوص الشرعية()؛ والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس12].
قال السعدي في تفسيرِ هذه الآية: " ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ وهي: آثارُ الخير وآثار الشَّر التي كانوا هم السَّببَ في إيجادها في حالِ حياتهم وبعدَ وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكل خيرٍ عَمِلَ به أحدٌ من الناس بسبب عِلمِ العبد وتعليمه أو نُصحهِ أو أمره بالمعروفِ أو نهيه عن المنكر، أو عِلمٍ أَوْدَعَهُ عند المتعلمين، أو في كُتُبٍ يُنتفعُ بها في حياتهِ وبعد موته، أو عملَ خيراً؛ من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان فاقتدى به غيره، أو عمل مسجداً، أو محلاً من المَحَالِّ التي يَرتَفِقُ بها الناس، وما أشبهَ ذلك فإنَّها من آثارهِ التي تُكتبُ له، وكذلكَ عملُ الشَّر، ولهذا: (من سَنَّ سُنَّةً حسنةً فله أجرُها وأجرُ من عمل بها إلى يومِ القيامة، ومن سن سُنَّةً سيئة فعليه وزرُها ووزرُ من عملَ بها إلى يوم القيامة)().
وهذا المَوضِعُ يُبينُ لك عُلُوَّ مرتبةِ الدعوةِ إلى اللهِ والهدايةِ إلى سبيله بكل وسيلة وطريق موصل إلى ذلك، ونزول درجة الداعي إلى الشَّر، الإمامِ فيه، وأنه أسفل الخليقةِ وأشدُّهم جُرْمَاً وأعظمُهم إثماً".
ومن هذه الأعمال التي يبقى أجرُها بعد الوفاة؛ ما أخبر به النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجهُ مسلمٌ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة؛ إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له).
وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (خيرُ ما يُخلِّفُ الرجل من بعده ثلاث؛ ولدٌ صالحٌ يدعو له، وصدقةٌ تجري يَبْلُغُهُ أجرُها، وعلمٌ يُعملُ بهِ من بعده)().
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من دعا إلى هُدَى كان له من الأجر مثل أُجور من تبعه لا يَنقُصُ ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضَلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) ().
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إنَّ مِمَّا يَلْحَقُ المؤمن من عملهِ وحسناتهِ بعدَ موته؛ عِلماً علَّمهُ ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومُصحفاً وَرَّثَه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السَّبيلِ بناه، أو نَهراً أجراه، أو صدقةً أخرجها من مالهِ في صِحَّتهِ وحياتهِ، يلحقُهُ من بعدِ موته())().
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (سَبْعٌ يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته؛ من عَلَّم علماً؛ أو أجرى نهراً؛ أو حفر بئراً؛ أو غرس نخلاً؛ أو بنى مسجداً؛ أو وَرَّث مصحفاً؛ أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته)().
وقد نَظَمَ السيوطي في "الدِّيبَاج" ما يصل الإنسانَ أجرُه بعد موته بقوله:
إذا ماتَ ابنُ آدمَ ليسَ يَجْري عــليهِ مِن فِـــعالٍ غـيرَ عَـــشْرِ
علومٌ بثَّها ودُعـــــاءُ نَجْلٍ وغَرْسُ النَّخْلِ والصَّدَقَاتُ تَجْرِي
وِرَاثَةُ مُصْحَفٍ ورِبَاطُ ثَـغْرٍ وحَــفْرُ البِئْرِ أو إِجْـــراءُ نَهْـــرِ
وبَيتٌ للغَـريبِ بَــنَاهُ يَأْوِي إلَـــــيهِ أو بِـــنَاءُ مَحـلِّ ذِكْـــرِ
وتَعلِــيمٌ لقُـــرآنٍ كَـــريمٍ فخُذْهَا من أحَــادِيثٍ بحـــصرِ
وهنا أنبِّه إلى أمرٍ مُهِم وهو أنه كما أن هناك حسنات تجري للإنسان بعد موته، فكذلك السَّيئات قد تجري للإنسان بعد موته! وذلك بأن يكون المرء داعية إلى ضلالة ـ بكلامه أو بكتابه ـ فَيُتَّبَع، أو يتسبب في سماع الناس للحرام، أو النظر إليه...وغير ذلك، ألا فَلْيَتَّقِ اللهَ العبدُ، "وطوبى لمن إذا ماتَ ماتَتْ معهُ ذُنوبه، والويل الطَّويل لمن يموت وتبقى ذُنوبه مائة سنة، ومائتي سنة أو أكثر! يُعَذَّبُ بها في قبره، ويُسْألُ عنها إلى آخر انقراضها، وقال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ أي: نكتب أيضاً ما أَخَّروهُ من آثارِ أعمالهم كما نكتب ما قَدَّموه، وفي مثله قوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة13]، وإنما أَخَّرَ آثارَ أَعمالهِ من سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ عَمِلَ بها غَيرُه"().
فعلى المسلم أن يحذر من السيئات الجارية! ففي الأحاديث المتقدمة: (...ومن سَنَّ في الإسلامِ سُنةً سيئةً كان عليه وِزرها وَوِزرُ من عَمِل بها من بعدهِ من غيرِ أن ينقُصَ من أوزارِهم شيء()).
(...ومن دعا إلى ضَلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً).
وقال ﷺ: (لا تُقتَلُ نَفْسٌ ظُلماً إلا كان على ابن آدم الأوَّل كِفْلٌ من دَمِها()؛ لأنهُ أوَّل من سَنَّ القَتْل)().
وعلى الآباء والأمهات ـ خصوصاً ـ ألا يتهاونوا بتعويد أولادهم على اقترافِ الحرام ـ بكلامهم أو بفعالهم التي يَقتَدي بهم فيها أولادهم ـ؛ من نظرٍ أو سماع أو مقال، فيبقى الوالد ـ مثلاً ـ ينظر إلى ما حرَّمَ الله خمسين سنة! أو ستين! فيتساهل أولاده مثله في هذا المُنْكَر، حتى إذا مات الوالد، استمَرَّ الأولاد على هذه المعصية خمسين سنة أُخرى! ثم يأتي الأحفاد، وأحفاد الأحفاد! والمُتَسَبِّبُ في قبره منذ قرون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالأولاد ـ إذن ـ هم من سيبقى لنا بعد وفاتنا، وهم أثرٌ من آثارنا، نسأل الله أن يُصلح لنا ولكم النية والذرية.
وعلى الأولاد البارِّين أن يُقلعوا عن ما حرَّم الله، بما في ذلك ما تعلموه من آبائهم؛ لإرضاء الرَّب أولاً، ثم رحمةً وبِراً بآبائهم ثانياً؛ حتى لا يَتَسَبَّبوا في إلحاق آثامٍ عليهم في قبورهم.
*****
الوقفة الخامسة والأخيرة: أوصي نفسي وإيَّاكُم بالاستقامةِ على السُّنَّة، وحُبها ونشرها والذَّب عنها، حتى نَشْرَبَ مِن حَوضِ صاحِبها ﷺ الَّذِي قَال: (ألا وإني فَرَطُكُم على الحوض، وأُكاثرُ بِكُمُ الأُمَم، فلا تُسَوِّدُوا وجهي!)().
و(فَرَطُكُم على الحوض)، أي: مُتقدِّمكم إليه، ومُهيءٌ لكم ما تحتاجون إليه.
وقوله: (فلا تُسَوِّدوا وجهي)، قال السِّندي: "بأن تُكثِروا من المعاصي فلا تَصْلُحوا لأنْ يُفْتَخَرَ بمِثْلِكُم".
وقد"شَرع لنا نبينا r كُلَّ عبادة تقربنا إلى الله، وعَلَّمنا ما الإيمان، وما التوحيد، وتركنا على البيضاءِ ليلها كنهارها؛ فأيُّ حاجةٍ بنا إلى البدع في الأقوال والأعمال والأحوال والمحدَثات؟! ففي السُّنَّةِ كفايةٌ وبَرَكةٌ، فيا ليتنا ننهض ببعضها عِلماً وعملاً وديانةً ومعتقداً!"().
كما أوصي نفسي وإيَّاكم بالمبادرة إلى التوبةِ والاستغفارِ مِن الذنوب، وعدم تركها حتى تَتراكَمَ علينا، "فإنَّ الله تعالى ليس بينهُ وبينَ أَحَدٍ مِن خَلْقِهِ نسبٌ يُعطيهِ به خَيراً، ولا يصرف عنهُ سُوءاً إلا بطاعتهِ واتِّباعِ أَمْرِه، وإنَّهُ لا خَيرَ بِخَيرٍ بعدهُ النَّار، ولا شَرَّ بِشَرٍّ بعدهُ الجنَّة"().
والله جَلَّ وعَلا يقول: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً* وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [النساء17ـ18].
وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود3].
وقال سبحانه ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ *رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر7ـ9].
وقد أمَرَنا النبي ﷺ أيضاً بالتوبة والاستغفار فقال: (يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإنِّي أتوبُ إلى الله وأستغفرهُ في كل يومٍ مائة مرَّة)().
وكان ﷺ يُعَدُّ له في المجلس الواحد مائة مرَّة يقول: (ربِّ اغفر لي وتُب عليَّ إنَّكَ أنت التَّوابُ الغفور())().
وقال ﷺ: (طُوبى لمن وجدَ في صحيفتهِ استغفاراً كثيراً)().
وقال أيضاً: (من أحبَّ أن تَسُرَّهُ صَحيفتُهُ فلْيُكثر فيها من الاستغفار)().
ولنحرص على أن يكون لنا من الأعمال ما لا يَطِّلعُ عليهِ أحدٌ إلا الله؛ فذلك أدعى إلى الإخلاص ومُراقبةِ الله، ورجاء ما عنده من العَفْوِ يوم لقائه، وفي الحديث: (من استطاعَ مِنكُم أن يكونَ لهُ خِبئٌ من عَمَلٍ صالحٍ فَلْيَفعل)().
قال طلق بن حبيب: " إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تُحصى، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين".
يا ربِّ إنْ عَظُمَتْ ذُنوبي كَثرَةً فَلَقَدْ عَلِمتُ بأن عَفْوَكَ أعظمُ
إن كانَ لا يَرْجُوكَ إلا مُحسِـنٌ فَبِمَنْ يَلُوذُ ويَسْتَجِيرُ المجْــرِمُ
كما أوصي نفسي وإياكم بالإكثار من الصَّدقة؛ فاللهُ جلَّ وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[البقرة254].
وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون10].
وقال عز من قائل: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد38].
وقال أيضاً ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران92].
وقال تعالى ـ كما في الحديث القدسي ـ: (يا ابن آدم، إنَّك إن تبذُلِ الفَضلَ خيرٌ لك، وإن تُمسكهُ شَرٌّ لك)().
وقال النبي ﷺ: (إن الصَّدقة لتُطفئُ عن أهلها حَرَّ القبور، وإنما يَسْتَظِلُّ المؤمنُ في ظِلِّ صَدَقَتِه)().
وعنه ﷺ أنه قال: (صدقَةُ السِّرِّ تُطفئُ غَضَبَ الرَّب)().
وقال ﷺ: (وَيْلٌ للمُكْثِرين، إلاَّ من قالَ بالمالِ هكذا وهكذا وهكذا وهكذا؛ ـ أربعٌ: عن يمينه، وعن شماله، ومن قُدَّامه، ومن ورائه ـ)().
وقرأ النبي ﷺ ـ يوماً ـ: ﴿أَلْهاَكُمْ التَّكَاثُر﴾، فقال: (يقول ابن آدم: مالي مالي، قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدقتَ فأمضيتَ)().
وبَزَقَ() رسولُ الله ﷺ يوماً في كَفِّه، ثُمَّ وضعَ عليها إصبعه وقال: (يقول الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم تُعجِزُني()!وقد خَلَقْتُكَ من مِثلِ هذا، حتى إذا سَوَّيتُك وعَدَلْتُكَ، مَشيتَ وجمعتَ ومَنَعت، حتى إذا بَلغتِ التَّراقي، قُلتَ: أَتَصَدَّقُ! وأنَّى أوَانُ الصَّدَقة؟!)().
كما أوصي نفسي وإيَّاكُم قبلَ ذلكَ كُله بتحقيقِ التَّوحيد، والمحافظة عليه من أن تَشُوبَهُ أي شائبة "فالتَّوحيد أَلْطَفُ شيءٍ وأنزهه وأنظفه وأصفاه، فأَدْنَى شيءٍ يخدِشُهُ ويُدَنِّسُهُ ويؤثِّرُ فيه، فهو كأبيضِ ثوبٍ يكُون؛ يُؤثِّر فيه أدنى أثر، وكالمرآةِ الصَّافِيَةِ جِداً؛ أدنى شيءٍ يُؤثِّرُ فيها، ولهذا تُشَوِّشُهُ اللحظةُ واللفظةُ والشَّهوةُ الخَفِيَّة"() فلنحافظ عليه في حياتنا حتى نَثْبُتَ عليه عند مماتنا، و(من كانَ آخر كَلامهِ لا إله إلا الله دَخَلَ الجنَّة)().
هذا ما أحبَبتُ بيانَهُ من الموقفِ الشَّرعي من هذهِ المصيبة؛ مُصيبة الموت، ابتغاءً لرضا الله سُبحانه، ثُمَّ عِرْفَاناً بالجميلِ لأُولئِكَ الذين غابُوا عنَّا، وما زالت ذِكراهُم باقية في أذهاننا، وخِدْمَة لأولادِ وأهلِ الُمتوَفَّى؛ عسى أن تَنالَني منهم دعوة صالحة، وحتى لا يَنقطِعَ بِرُّنا بأمواتنا بعد وفاتهم.
أسألُ الله تعالى أن يرحمَ أمواتَنا وأمواتَكُم، وأن يُعظِّمَ أجرَنا وأجرَكُم، وأن يُحسنَ عزَاءَنا وعزاءَكُم()، وأن يجعلَ الخيرَ والبركةَ فيمن بَقِي، وأن يختِمَ لنَا ولَكُم بالحُسْنى، كَما أسألهُ تعالى أن يجمَعنا مع أهلنا وأقارِبنا في جنَّات النَّعيم، على سُرُرٍ مُتقابلين، إنَّهُ على كل شيءٍ قدير، وهُوَ نِعم المولى ونِعم النَّصير.
اللهُمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد.
وكتب
مُحمد بن أحمد بن مُحمد الحريري
في شهر شعبان من العام السَّادس والعشرين بعد
الأربعمائة و الألف من مدينة المصطفى صلى الله عليه
وعلى آله وصحبه وسلم()

ام حفصه
11 Oct 2011, 02:31 AM
ملحقٌ فيه
بعض فتاوى أهل العلم
المتعلِّقة بالجنائز
س: ما هو الثواب والأجر الذي يعود على الميت من الصدقة عنه؟ مثال: هل الصدقة عن الميت تزيد في أعماله الحسنة؟
ج: الصدقة عن الميت من الأمور المشروعة، وسواء كانت هذه الصدقة مالاً أو دعاءً؛ فقد روى مسلم في الصحيح، والبخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، فهذا الحديث يدل بعمومه على أن ثواب الصدقة يصل إلى الميت ولم يفصل النبي r بين ما إذا كانت بوصية منه أو بدون وصية، فيكون الحديث عاماً في الحالتين، وذكر الولد فقط في الدعاء للميت لا مفهوم له؛ بدليل الأحاديث الكثيرة الثابتة في مشروعية الدعاء للأموات؛ كما في الصلاة عليهم، وعند زيارة القبور، فلا فرق أن تكون من قريب أو بعيد عن الميت. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي r أن رجلاً قال: يا رسول الله إن أمي ماتت ولم توص، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال r «نعم» .
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم().
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب رئيس اللجنة
عبدالله بن منيع عبدالله بن غديان عبدالرزاق عفيفي
س: هل يجوز قراءة الفاتحة أو شيء من القرآن للميت عند زيارة قبره، وهل ينفعه ذلك؟
ج: ثبت عن النبي r أنه كان يزور القبور، ويدعو للأموات بأدعية علمها أصحابه، وتعلموها منه؛ من ذلك: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية»، ولم يثبت عنه r أنه قرأ سورة من القرآن أو آيات منه للأموات مع كثرة زيارته لقبورهم، ولو كان ذلك مشروعاً لفعله، وبينه لأصحابه؛ رغبةً في الثواب، ورحمةً بالأمة، وأداءً لواجب البلاغ، فإنه كما وصفه تعالى بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة 128]، فلما لم يفعل ذلك مع وجود أسبابه دل على أنه غير مشروع، وقد عرف ذلك أصحابه رضي الله عنهم فاقتفوا أثره، واكتفوا بالعبرة والدعاء للأموات عند زيارتهم، ولم يثبت عنهم أنهم قرؤوا قرآناً للأموات، فكانت القراءة لهم بدعة محدثة، وقد ثبت عنه r أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق عليه .
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم().
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبدالله بن منيع عبدالله بن غديان عبدالرزاق عفيفي عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
س: ما حكم البناء على القبور وتزيينها بالرخام وغير ذلك من كتابة آية أو آيات على القبور؟
ج: يحرم بناء المساجد على القبور ورفع القباب عليها؛ لما روته عائشة رضي الله عنها عن النبي r أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» متفق عليه، ولما في صحيح مسلم عن جندب بن عبدالله رضي الله عنه أنه قال: قال رسول اللهr : «ألا إن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد»، ولما في ذلك من الغلو فيمن دفن بها، ولا يجوز رفعها إلا بقدر ما يعرف أن هنا قبراً حتى يحافظ عليه من المشي فوقه، أو قضاء الحاجة عليه، فقد ثبت عن علي رضي الله عنه: أنه قال لأبي الهياج الأسدي: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله r: ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته). رواه مسلم
وكذلك يحرم تزيينها بالرخام ونحوه؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله r نهى أن يجصص القبر وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه، ولما في ذلك من الغلو في تعظيم من دفن بها، وذلك ذريعة إلى الشرك، وتحرم كتابة آية أو آيات من القرآن أو جملة منه على جدران القبور، لما في ذلك من امتهان القرآن وانتهاك حرمته، واستعماله في غير ما أنزل من أجله، من التعبد بتلاوته، وتدبره، واستنباط الأحكام منه، والتحاكم إليه، كما تحرم الكتابة على القبور مطلقاً ولو غير القرآن؛ لعموم نهي النبي r عن الكتابة عليها، رواه الترمذي وغيره بإسناد صحيح.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم () .
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبدالله بن قعود عبدالله بن غديان عبدالرزاق عفيفي عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
س: أيحل لنا القيام أو الجلوس عند القبر من أجل الدعاء للميت؟
ج: الزيارة الشرعية للقبور أن يقصد إليها للعظة والاعتبار، وتذكر الموت، لا للتبرك بمن قُبر فيها من الصالحين، فإذا جاءها سلم على من فيها فقال: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية»، وإن شاء دعا للأموات بغير ذلك من الأدعية المأثورة. ولا يدعو الأموات، ولا يستغيث بهم في كشف ضر أو جلب نفع، فإن الدعاء عبادة، فيجب التوجه بها إلى الله وحده، ولا بأس أن يقف عند القبر أو يجلس من أجل الدعاء للميت، لا للتبرك. ويشرع الوقوف على القبر بعد الدفن للدعاء للميت بالثبات والمغفرة؛ لما ثبت عنه rأنه كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» ().
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبدالله بن قعود عبدالله بن غديان عبدالرزاق عفيفي عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
س: فيه حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: (من زار قبر والديه أو أحدهما كل جمعة غفر له وكتب باراً). أرجو إفادتي هل هناك دعاء خاص يقال عند قبر الوالدين أو أحدهما، وهل الزيارة قبل صلاة الجمعة أو بعدها، أو فيه وقت مفضل في يوم الجمعة؟
ج: أولاً: الحديث المذكور ضعيف جداً، ولا يصلُح الاحتجاج به لضعفه، وعدم صحته عن النبي r.
ثانياً: زيارة القبور مشروعة في أي وقت، ولم يرد دليل يخصص يوم الجمعة أو غير يوم الجمعة بزيارتها فيه، وقد روى الإمام مسلم رحمه الله عن سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله r يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: «السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية»، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رسول الله r بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر» رواه الترمذي وقال: حسن.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ().
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبدالله بن قعود عبدالرزاق عفيفي عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
س: في رجب أول يوم وآخر يوم يزورون المقبرة. هل هذا جائز أم لا؟
ج: لا يجوز تخصيص يوم معين من السنة لا الجمعة ولا أول يوم من رجب، ولا آخر يوم، في زيارة المقابر؛ لعدم الدليل على ذلك، وإنما المشروع أن تزار متى تيسر ذلك، من غير تخصيص يوم معين للزيارة؛ لقول النبي r: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة».
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ().
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبدالله بن قعود عبدالله بن غديان عبدالرزاق عفيفي عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
س: إنني أريد أن أزور مسجد الرسول r بالمدينة المنورة، فكيف السلام على الرسول؟ وهل زيارة المسجد واجبة؟
ج: ليست زيارة مسجد الرسول r واجبة، ولكن إذا أردت السفر إلى المدينة المنورة من أجل الصلاة في مسجده r فذلك سنة، وإذا دخلت مسجده فابدأ بالصلاة، ثم ائتِ قبر النبي r، فقل: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، صلى الله عليك وعلى آلك وأصحابك)، وأكثر من الصلاة والسلام عليه؛ لما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام: «وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». ثم سَلِّمْ على أبي بكر وعمر، وتَرَضَّ عنهما، ولا تتمسح بالقبر، ولا تدعُ عنده؛ بل انصرف وادعُ الله حيث شئت من المسجد وغيره، وقد ثبت عن النبي r أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ().
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبدالله بن قعود عبدالله بن غديان عبدالرزاق عفيفي عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
س: هل خلع النعال في المقابر من السنة أم بدعة؟
ج: يشرع لمن دخل المقبرة خلع نعليه؛ لما روى بشير بن الخصاصية قال: (بينا أنا أماشي رسول الله r إذا رجل يمشي في القبور وعليه نعلان، فقال: «يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك»، فنظر الرجل، فلما عرف رسول الله r خلعهما فرمى بهما)، رواه أبو داود، وقال أحمد: "إسناد حديث بشير بن الخصاصية جيد، أذهب إليه إلا من علة"، والعلة التي أشار إليها أحمد رحمه الله كالشوك والرمضاء ونحوهما، فلا بأس بالمشي فيهما بين القبور لتوقي الأذى.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ().
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبدالله بن غديان عبدالرزاق عفيفي عبدالعزيز بن عبدالله بن باز

ام حفصه
11 Oct 2011, 02:32 AM
ج: يجوز ذلك وليس للتعزية وقت محدود، ولا مكان محدود.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ().
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبدالله بن قعود عبدالرزاق عفيفي عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
س: هل يجوز البكاء على الميت إذا كان البكاء فيه نواح ولطم الخد وشق الثوب، فهل البكاء يؤثر على الميت؟
ج: لا يجوز الندب ولا النياحة، ولا شق الثياب ولطم الخدود وما أشبه ذلك؛ لما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أن النبي r قال: «ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية»، وثبت عن رسول الله r أنه لعن النائحة المستمعة، وصح عنه أيضاً أنه قال: «إن الميت يعذب في قبره بما يناح عليه»، وفي لفظ: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه»، والمراد بالبكاء هنا النياحة، أما البكاء بدمع العين من دون نياحة فلا حرج فيه؛ لقول النبي r لما مات ابنه إبراهيم: «العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»، وقوله r: «إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، وإنما يعذب بهذا أو يرحم»، وأشار إلى لسانه عليه الصلاة والسلام.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ().
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
عبدالله بن قعود عبدالله بن غديان عبدالرزاق عفيفي عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
س: هل يشرع الحضور عند الكافر المحتضر وتلقينه؟
ج: يشرع ذلك إذا تيسر، وقد كان عند النبي r خادم يهودي، فمرض، فذهب إليه النبي r يعوده، فلقَّنه وقال: «قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فنظر اليهودي إلى أبويه فقالا له: أطع أبا القاسم، فقالها، فقال النبي r: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار»().
س: هل يجوز تقبيل الميت؟
ج: لا بأس بتقبيل الميت إذا قبله أحد محارمه من النساء، أو قبله أحد من الرجال؛ كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع النبي r ().
س: إذا أوصى الميت بتحديد من يغسله فهل تنفذ وصيته؟
ج: نعم تنفذ وصيته ().
س: هل يجوز للمرأة أن تغسل زوجها بعد وفاته ، وكذلك هل يجوز للرجل أن يغسل زوجته بعد وفاتها؟ أفتونا مأجورين.
ج: قد دلت الأدلة الشرعية على أنه لا حرج على الزوجة أن تغسل زوجها وأن تنظر إليه، ولا حرج على الزوج أن يغسلها وينظر إليها، وقد غسلت أسماء بنت عميس رضي الله عنها زوجها أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وأوصت فاطمة رضي الله عنها أن يغسلها علي رضي الله عنه. والله ولي التوفيق ().
س: لقد سمعنا كثيراً من عامة الناس بأن الزوجة تحرم على زوجها بعد الوفاة ؛ أي بعد وفاتها، ولا يجوز أن ينظر إليها، ولا يلحدها عند القبر، فهل هذا صحيح؟ أجيبونا بارك الله فيكم.
ج: قد دلَّت الأدلة الشرعية على أنه لا حرج على الزوجة أن تُغَسِّلَ زوجها، وأن تنظر إليه، ولا حرج عليه أن يغسلها وينظر إليها، وقد غَسَّلَت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق رضي الله عنهما ، وأوصت فاطمة أن يغسلها علي رضي الله عنهما. والله ولي التوفيق().
س: هل يتعرض للميت بقص شاربه أو أظفاره؟
ج: ليس على ذلك دليل، ولو أُخِذَ شيء من ذلك فلا بأس، ونص بعض العلماء على الأظافر والشارب، أما حلق العانة والختان فلا يشرع فعلهما في حق الميت لعدم الدليل على ذلك().
س: هل للمرأة أن تصلي على الجنازة أم لا؟
ج: الصلاة على الجنازة مشروعة للجميع؛ للرجال والنساء، تصلي على الجنازة في البيت أو في المسجد، كل ذلك لا بأس به، وقد صلت عائشة رضي الله عنها والنساء على سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما توفي في مسجد رسول الله r، والمقصود أن الصلاة على الجنائز مشروعة للجميع، وإنما المنهي عنه زيارتهن للقبور، واتباع الجنائز، أما صلاتهن على الميت في البيت أو في المسجد أو في المصلى أو في بيت أهله فلا بأس بذلك، وقد كانت النساء يصلين على الجنائز خلف النبي r وخلف الخلفاء الراشدين. والله ولي التوفيق ().
س: ما حكم السفر لأجل الصلاة على الميت ؟
ج: لا حرج في ذلك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ().
س: هل يُكشف وجه الميت بعد وضعه في اللحد؟
ج: لا يكشف؛ بل يغطى كله، إلا المُحْرِم فيُكشف وجهه ورأسه؛ لقول النبي r لما سُئل عن محرِم توفي يوم عرفة: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه ولا وجهه؛ فإنه يُبعث يوم القيامة ملبياً» متفق على صحته واللفظ لمسلم ().
س: هل تحل العقد في القبر؟
ج: هذا هو الأفضل؛ كما فعل الصحابة رضي الله عنهم ().
س: ما حكم الأذان والإقامة في قبر الميت عند وضعه فيه؟
ج: لا ريب أن ذلك بدعة ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأن ذلك لم ينقل عن رسول الله r ولا عن أصحابه رضي الله عنهم، والخير كله في اتباعهم وسلوك سبيلهم؛ كما قال الله سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة 100]، وقال النبي r: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق على صحته، وفي لفظ آخر قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» ، وكان r يقول في خطبة الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» خرَّجَهُ مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه ().
س: هل يكفي السلام على الموتى في أول المقبرة مرة واحدة؟
ج: يكفي ذلك وتحصل به الزيارة، وإن كانت القبور متباعدة فزارها من جميع جهاتها فلا بأس ().
س: عند زيارة القبور، هل يشرع للزائر أن يصل إلى القبر الذي يقصد زيارته؟
ج: يكفي عند أول القبور، وإن أحب أن يصل إلى قبر من يقصد زيارته ويسلم عليه فلا بأس ().
س: هل يكون الدعاء عند قبر الميت برفع اليدين؟
ج: إن رفع يديه فلا بأس؛ لما ثبت عن النبي r في حديث عائشة رضي الله عنها: «أنه r زار القبور ورفع يديه ودعا لأهلها» رواه مسلم ().
س: الدعاء الجماعي عند القبور ما حكمه؟
ج: ليس فيه مانع إذا دعا واحد وأمَّنَ السامعون، فلا بأس إذا لم يكن ذلك مقصوداً، وإنما سمعوا بعضهم يدعو فأمَّن الباقون، ولا يُسمى مثل هذا جماعياً؛ لكونه لم يقصد ().
س: حديث: «يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك» لما رآه النبي r يمشي في المقبرة بنعليه، هل يعمل به؟ وهل ينكر على من مشى بنعليه في المقبرة؟
ج: الحديث لا بأس به، ولا يجوز أن يمشى بالنعال في المقبرة إلا عند الحاجة؛ مثل وجود الشوك في المقبرة، أو الرمضاء الشديدة، أما إذا لم يكن هناك حاجة فينكر عليه؛ كما أنكر r على صاحب السبتيتين، ويُعَلَّم الحكم الشرعي ().
س: هل يجوز قطع الأشجار المؤذية من المقابر؟
ج: ينبغي قطعها؛ لأنها تؤذي الزوار، وهكذا ما يوجد فيها من الشوك ينبغي إزالته؛ إراحةً للزوار من شره، ولا يشرع لأحد أن يغرس على القبور شيئاً من الشجر أو الجريد؛ لأن الله سبحانه لم يشرع ذلك. والنبي r إنما غرس جريدتين على قبرين عرفهما وأنهما معذبان، ولم يغرس على قبور المدينة وقبور البقيع، وهكذا الصحابة لم يفعلوا ذلك، فعلم أن ذلك خاص بصاحبي القبرين المعذبين. نسأل الله السلامة ().
س: هل يجوز حضور مجلس العزاء والجلوس معهم؟
ج: إذا حضر المسلم وعزى أهل الميت فذلك مستحب؛ لما فيه من الجبر لهم والتعزية، وإذا شرب عندهم فنجان قهوة أو شاي أو تطيب فلا بأس، كعادة الناس مع زوارهم ().
س: ما رأي سماحتكم فيمن يجلس بالمنزل لاستقبال المعزين، مع العلم أن كثيراً من المعزين لا يتمكنون من القيام بالعزاء إلا في المنزل؟
ج: لا أعلم بأساً في حق من نزلت به مصيبة بموت قريبه، أو زوجته، ونحو ذلك أن يستقبل المعزين في بيته في الوقت المناسب؛ لأن التعزية سنة، واستقباله المعزين مما يعينهم على أداء السنة، وإذا أكرمهم بالقهوة، أو الشاي، أو الطيب، فكل ذلك حسن ().
س: ما حكم من يسافر من أجل العزاء لقريب أو صديق، وهل يجوز العزاء قبل الدفن؟
ج: لا نعلم بأساً في السفر من أجل العزاء لقريب أو صديق؛ لما في ذلك من الجبر والمواساة وتخفيف آلام المصيبة، ولا بأس في العزاء قبل الدفن وبعده، وكلما كان أقرب من وقت المصيبة كان أكمل في تخفيف آلامها، وبالله التوفيق ().
س: هل للعزاء أيام محدودة، حيث يقال: إنها ثلاثة أيام فقط؟ أرجو الإفادة جزاكم الله خيراً.
ج: العزاء ليس له أيام محدودة؛ بل يشرع من حين خروج الروح، قبل الصلاة على الميت وبعدها، وليس لغايته حد في الشرع المطهر؛ سواء كان ذلك ليلاً أو نهاراً، وسواء كان ذلك في البيت أو في الطريق أو في المسجد أو في المقبرة أو في غير ذلك من الأماكن. والله ولي التوفيق ().
س: بعض أهل الميت يجلسون ثلاثة أيام ، فما حكم ذلك؟
ج: إذا جلسوا حتى يعزيهم الناس فلا حرج إن شاء الله؛ حتى لا يُتعبوا الناس، لكن من دون أن يصنعوا للناس وليمة ().
س: ما هي أقسام زيارة المقابر؟
ج: زيارة القبور نوعان:
النوع الأول: يقصد الإنسان شخصاً معيناً، فهنا يقف عنده ويدعو بما شاء الله عز وجل، كما فعل عليه الصلاة والسلام حين استأذن الله عز وجل أن يستغفر لأمه، فلم يأذن الله له، واستأذنه أن يزورها فأذن له، فزارها صلوات الله وسلامه عليه ومعه طائفة من أصحابه رضي الله عنهم.
النوع الثاني: أن تكون زيارته لعموم المقبرة، فهنا يقف أمام القبور ويسلم كما كان عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك إذا زار البقيع؛ يقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية» ().
س: ما هو وقت التعزية؟
ج: وقت التعزية من حين ما يموت الميت، أو تحصل المصيبة ـ إذا كانت التعزية بغير الموت ـ، إلى أن تُنسى المصيبة وتزول عن نفس المُصاب، ولأن المقصود بالتعزية ليست تهنئة أو تحية؛ إنما المقصود بها تقوية المُصاب على تحمل هذه المصيبة، واحتساب الأجر ().
س: ما حكم اصطفاف أهل الميت عند باب المقبرة لتلقي تعازي الناس بعد دفن الميت مباشرة؟
ج: الأصل أن هذا لا بأس به؛ لأنهم يجتمعون جميعاً من أجل سهولة الحصول على كل واحد منهم لِيُعَزَّى، ولا أعلم في هذا بأساً ().

حفيد السلف
12 Oct 2011, 02:24 PM
جزاكم الله خيرا على الموضوع .. بارك الله فيكم .. و نفع بكم .