المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحوثي والورقة الطائفة الخاسرة



الرحال99
24 Oct 2009, 05:56 PM
كتبه لمفكرة الإسلام الأستاذ أنور قاسم الخضري


'إن الأمر في صعدة إذا لم يتم احتواؤه فقد يتفاقم، ويتحول إلى دارفور أخرى، تشد انتباه العالم الخارجي والمنظمات الدولية، وتهدد استقرار اليمن وتفجر فيه صراعات أخرى'!!

'من مقال بعنوان: قبل أن تصبح 'صعدة' دارفور أخرى!، لفهمي هويدي'

تنتسب 'الزيدية' إلى الإمام زيد بن علي، أحد أئمة آل البيت، وهي من فرق الشيعة عمومًا، لكنها تخالف عقائد الاثني عشرية، ويصنفها بعض علماء السنة كأقرب الفرق إلى أهل السنة.

وتخالف 'الزيدية' 'الاثني عشرية' في اشتراطها الخروج بالسيف لصحة الإمامة، وفي رفضها مبدأ 'التقية'. ومن هذا المنطلق قامت للزيدية عدة ثورات، لكنها أخفقت جميعًا، ولم ينجح منها غير اثنتين فقط: إحداهما في بلاد الديلم، والأخرى في اليمن، على يد يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي، والمعروف بالإمام الهادي، في القرن الثالث الهجري. ومن هنا عرفت دولة 'الزيدية' في اليمن بـ'الهادوية' نسبة إلى الإمام الهادي.

وقد استطاعت دولة 'الأئمة الزيدية' الحكم في اليمن لقرابة 11 قرنًا، وسقطت عام 1962م عقب الإعلان عن قيام نظام جمهوري. وظل المذهب الزيدي مذهبًا فكريًا وفقهيًا لقطاع عريض من الناس[1]، واقتصر دور أتباعه على التعليم والدعوة في إطار ضيق نتيجة الانفتاح الذي حدث من جهة والانتكاسة التي وقعت للمذهب من جهة أخرى.

غير أن فترة الثمانينات شهدت تواصلاً بين إيران ومرجعيات زيدية في اليمن، أخذ بعدًا فكريًا وتنظيميًا وتمويليًا، وقد ساعد عامل النقمة لدى أتباع المذهب الزيدي على المذهب 'الوهابي' الذي يرون أنه اخترق اليمن! 'وهو أمر لا تزال تكرسه صحف الأحزاب الشيعية كالأمة والبلاغ والشورى، ويغذى به أتباع المذهب!' إضافة إلى نجاح الثورة الإيرانية ومحاولاتها الجادة في تصدير الثورة إلى المنطقة على التقاء الطرفين وتقاربهما، أو بمعنى أصح وأدق اختراق الرافضة لزيدية اليمن.

وقد بدأت جهود التواصل الاثني عشري مع الزيدية في اليمن تؤتي ثمارها المرة في التسعينيات، حيث شهدت اليمن أنشطة ملموسة للرافضة؛ منها الأحزاب والتنظيمات السياسية التي بدأت تعلن عن نفسها في الساحة، كان منها: حزب الثورة الإسلامية، حزب الحق، حزب الله، اتحاد القوى الشعبية اليمنية؛ وهي جميعًا أحزاب شيعية توارت عن الساحة ولم يبق منها غير اثنين هما: حزب الحق، واتحاد القوى الشعبية اليمنية.

وفي ظل الاستقطاب الذي مارسه شركاء الوحدة 'المؤتمر الشعبي العام' و'الحزب الاشتراكي اليمني' على الأحزاب خلال المرحلة الانتقالية للوحدة '1990م ـ 1993م'، رأى المؤتمر في 'التجمع اليمني للإصلاح' ذو الرصيد التنظيمي القوي والجماهيرية الشعبية العريضة حليفًا مهمًا له، فيما رأى الحزب الاشتراكي في أتباع المذهب الزيدي، الناقمين على النظام الجمهوري وسيطرة ما يصفه أتباع المذهب بـ'الوهابية' على التعليم واكتساحهم للساحة[2]، حليفًا ناقمًا على الأوضاع وراغبًا في إعادة مجد الإمامة! ومن هنا ارتبط بحزبي 'الحق' و'اتحاد القوى الشعبية'.

في عام 1991م نشأ تنظيم 'الشباب المؤمن'، بإيعاز من العلامة بدر الدين الحوثي بهدف جمع علماء المذهب الزيدي في صعدة وغيرها من مناطق اليمن تحت لوائه! وبالتالي دعم حزب 'الحق' باعتباره يمثل المذهب الزيدي!

و'بدر الدين بن أمير الدين الحوثي، من كبار علماء الشيعة، جارودي المذهب، يرفض الترضية على الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويهاجم الصحيحين والسنن في كثير من مؤلفاته، ويتهم الإمام البخاري ومسلم بالتقول والكذب على رسول الله إرضاءً للسلاطين؛ ومنه ورث ابنه حسين هذا المذهب، وسار عليه أنصارهم وأتباعهم'[3]!

لكن بدر الدين الحوثي تقدم في عام 1996م باستقالة جماعية مع أبنائه، معلنًا انتهاء أي علاقة له بحزب الحق، على خلفية خلاف بينه وبين العلامة والمرجع المذهبي مجد الدين المؤيدي! وقد كان للمؤتمر الشعبي العام دور مهم في هذه الاستقالة بغية تجريد الاشتراكي من حلفائه!
وتفرغ بدر الدين الحوثي وأبناؤه للقيام على تنظيم 'الشباب المؤمن'، الذي استمر في ممارسة نشاطه وتمكن من استقطاب الشباب والقبائل والوجاهات الاجتماعية في صعدة، كل ذلك برعاية الرئيس علي عبد الله صالح والمؤتمر الشعبي العام وحكومته.

وبدأ حسين الحوثي بتوسيع نشاطه خارج منطقة صعدة، ليؤسس مراكز مماثلة لمركزه في عدة محافظات. وبدأت تتجلى ظاهرة حسين الحوثي فيما يطرحه من المسائل والآراء، فظهر تطاوله وتهجمه على علماء الزيدية، وآراء المذهب وكتبه! معتبرًا نفسه مصلحًا ومجددًا لعلوم المذهب وتعاليمه! وتجاوز الأمر إلى حد السخرية من كتب الحديث والأصول والصحابة! وهو ما دفع علماء 'الزيدية' لإصدار بيان نشرته صحيفة 'الأمة' الناطقة باسم حزب 'الحق'! حذر من ضلالات حسين الحوثي وأتباعه، منكرًا أن تمت أقواله وأفعاله إلى أهل البيت وإلى المذهب الزيدي بصلة، ومحرمًا 'الإصغاء إلى تلك البدع والضلالات والتأييد لها أو الرضا بها'.

ولم تتوقف أنشطة الحوثي و'الشباب المؤمن' على إقامة المراكز العلمية 'المسماة بالحوزات'، والمخيمات الصيفية، والندوات والمحاضرات والدروس؛ ونشر العديد من 'الملازم' والكتب التي تروج لفكره، بل تجاوزها إلى تحريض أتباع المذهب الزيدي على اقتناء الأسلحة والذخيرة تحسبًا لمواجهة الأعداء من 'الأمريكيين واليهود'، واقتطاع نسبة من الزكاة لصالح المدافعين عن شرف الإسلام والمذهب!! عامدًا إلى الدفع بشبابه 'الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15- 25 عامًا' لإظهار ثقله الديني والسياسي بالتظاهر في معظم المساجد وعقب صلوات الجمعة وترديد شعاراتهم ضد إسرائيل وأمريكا، وقد بلغ الأمر في إحدى المظاهرات بسقوط قتلى أثناء مسيرة نظمها التنظيم باتجاه السفارة الأمريكية إبان الحرب على العراق، في 2003م.

وهنا كان على الدولة أن تتدخل، فبدأ الصدام بين الدولة وأتباع الحوثي يأخذ طابع الاعتقال، وإغلاق المحلات من مكتبات وتسجيلات شيعية، في حين بدأ حسين الحوثي في التحصن في جبال مران حيث مسقط رأسه ومعقد الولاء المذهبي له، فأقام تحصينات إنشائية، وزود أتباعه بالسلاح والذخيرة، وبدأ بالتعبئة ضد أي عدوان أمريكي أو إسرائيلي! وأحاط نفسه بإجراءات أمنية صارمة؛ وبدا الأمر وكأنه استعداد لخوض مواجهة عسكرية مؤكدة وليست محتملة!

إن طبيعة الدور الذي مارسه حسين الحوثي، قبل تطور الأحداث إلى مستوى المواجهات مع الدولة، دل على نوايا فعلية لإظهار الحركة كقوة سياسية مستقلة، كما هو الحال مع حزب الله في لبنان؛ خاصة بعد فشل حزب 'الحق' وحزب 'اتحاد القوى الشعبية' من لعب دور سياسي أو حركي بالمستوى الذي يأمل فيه حسين الحوثي!

وبالفعل خاض حسين الحوثي حربًا شرسة ضد الدولة استمرت ثلاثة أشهر تقريبًا. ولم يشأ الحوثي الاستسلام للدولة إلا وفق شروط ومطالب خاصة، ليس من أبرزها سحب الدولة لقواتها من المنطقة والإفراج غير المشروط لأتباع التنظيم!! إلى آخر ما هنالك من المطالب! لكنه لم يستطع تحقيق آماله حيث استطاعت الدولة القضاء عليه في 10 سبتمبر 2004م، هو وعدد من أتباعه.. لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد!


فقد أعاد والده الكرة مرة أخرى..

لقد كان الاستخدام المفرط للعنف والسلاح تجاه الدولة والدخول معها في صراع دموي دليلاً على أن وراء الشعار المعلن بعد آخر يتستر عن الظهور، فصعدة ظلت طوال السنوات الماضية بعيدة عن أعمال العنف التي تطال الأجانب والمصالح الأمريكية في اليمن، على خلاف محافظات أخرى مثل مأرب والجوف وصنعاء وحضرموت وعدن!

إن من الجلي أن ظاهرة الحوثي تداخلت في بروزها عدة أياد، منها إيران، فإيران ـ ومنذ قيام ما عرف بـ'الثورة الإسلامية'ـ تبنت مبدأ تصدير الثورة الشيعية إلى الوطن العربي والعالم الإسلامي، بما في ذلك الخليج والجزيرة خصوصًا. وقد شكلت الأرضية المذهبية 'الهادوية' في اليمن محضنًا خصبًا لهذا التغلغل الشيعي خاصة بعد حرب الخليج الثانية وتدمير العراق، وبذلت الدبلوماسية والسفارة الإيرانية في صنعاء جهدًا مكثفًا لاستقطاب أتباع المذهب الزيدي منذ عام 1990م، حيث توجهت الأنظار إلى اليمن كلاعب إقليمي ناشئ ومؤثر.

ولم تكن إيران فقط بل من ورائها القوى الشيعية في المنطقة، في العراق[4] ولبنان والبحرين والكويت والسعودية. وقد أكد طارق الشامي ـ الناطق الرسمي في المؤتمر الشعبي الحاكم ـ في اتصال مع قناة 'الجزيرة' أن التمرد جاء في 'إطار مخطط كان معدًَا له أولاً من حيث إدخال مذهب جديد هو 'الاثنا عشرية' والترويج له داخل المجتمع اليمني، وثانيًا ما تم الاعتراف به على لسان الحوثي بوجود علاقة مع بعض المنظمات والحوزات الشيعية وزيارته لبعض الدول العربية وإيران'[5].

وهدف إيران من ذلك عدة مسائل: منها استغلال جو التصالح والتقارب الشيعي الأمريكي في المنطقة عقب أحداث 11 سبتمبر، ومنها زيادة النفوذ الشيعي في دول الجزيرة والخليج بما يخدم البعد الإستراتيجي لإيران في المنطقة، ومنها تشتيت الذهن والجهد السني على امتداد الرقعة الجغرافية، فلبنان وسوريا والسودان واليمن... إلى آخر ما هنالك من القائمة! بحيث تنصرف هذه الجهود عن العراق وخدمة التيار السني المقاوم فيه!

ومن الأيادي كذلك الحزب الاشتراكي اليمني، والذي تربطه بالتيار الشيعي علاقة حميمية دافئة، فقد وقفت الأحزاب الشيعية إلى جانب الحزب الاشتراكي في أزمة وحرب 1994م، وهم منذ سقوط مؤامرة الانفصال في صف معاد للسلطة، ويجمعهم مع أحزاب أخرى مجلس 'اللقاء المشترك'! وقد ربط الرئيس اليمني بين التيارين وبين تمرد الحوثي وحركة الانفصال التي أشعلها الاشتراكيون في 1994م في أكثر من خطاب وحديث صحفي!

وفي رسالة وجهها رئيس الجمهورية لأبناء محافظة صعدة عقب مقتل حسين بدر الدين الحوثي اعتبر أن 'ما قام به الحوثي لا يقل خطورة عما قام به الانفصاليون لتمزيق الوحدة الوطنية وإثارة الفتن والبغضاء والأحقاد في المجتمع'، وأن كليهما 'يمثلان وجهين لعملة واحدة ويسعيان في اتجاه هدف واحد'[6].


ويبدو أن الاشتراكي يحاول رد الجميل لحسين الحوثي ووالده، اللذين وقفا معه في حرب 1994م واضطرا إلى الهرب خارج البلاد عقب فشل الاشتراكي في مخططه، باستغلال الحدث ـ إذا لم يكن في الحقيقة ذو صلة به ـ فصحيفة الحزب تشن حملة مستمرة على السلطة، وقد أضافت أحداث صعدة الأخيرة وجبة دسمة للحديث عن إرهاب الدولة وإجرامها.. وما هنالك من الاتهامات!


إن تحالف الاشتراكي مع حركة الحوثي تقف وراءه دوافع مشتركة، منها غيابهم الكلي عن السياسة بعد أن كانوا يمتلكون مقاليدها، وحلمهم للعودة إلى السلطة، ونزعتهم العدائية للمذهب السني وللتيار السلفي المتنامي في اليمن ـ بشكل أخص!

ومن الأيادي أيضًا، أيادٍ إقليمية لها عداء مزمن مع اليمن وثاراتها السياسية، وقد صرح متحدث باسم وزارة الداخلية في سبتمبر 2004م لصحيفة '26 سبتمبر' بأن تمرد حسين بدر الدين الحوثي كان يحظى بدعم 'جهات خارجية' وأن 'التحقيقات التي أجرتها الأجهزة الأمنية والوثائق والمستندات التي عثر عليها في قضية حسين الحوثي كشفت عن الدعم الذي تلقاه من جهات إقليمية، سواء عبر أجهزة استخبارية في بعض الدول العربية، أو عبر الجماعات المذهبية والعقائدية أو الجمعيات الخيرية في المنطقة'.

كما أفاد مصدر مقرب من الحكومة اليمنية لصحيفة 'الوطن القطرية 17/9/2004م' بأن سعوديين شيعة هم من بين هذه الأطراف، وقال هذا المصدر لوكالة 'فرانس برس': 'جرى تبادل رسائل بين الحكومتين اليمنية والسعودية بشأن وجود دعم من قبل بعض التجار ورجال الأعمال الشيعة السعوديين للحوثي أثناء التمرد وقبل التمرد'.

وكان رئيس الجمهورية اليمنية علي عبد الله صالح قد اتهم 'جهات خارجية' في حديث لصحيفة 'المستقبل' اللبنانية في 9/7/2004م وأضاف: 'لكن لا نستطيع أن نشير بأصابع الاتهام لأي دولة أو حزب'! وتساءل في حديثه: 'من أين لهذا المدعو كل هذه الأموال؟ هو يدفع لكل شاب يدفع به لترديد شعاراته مائة دولار أمريكي أي ما يساوي ثمانية عشر ألف ريال يمني وهو مبلغ كبير، فمن أين له هذا المال؟ ومن هي الجهة التي تموله بذلك؟ وما هي مصلحته من وراء ذلك؟'. وقال الرئيس في حينه بأن هناك تحريات وبحث عن مصادر التمويل، نافيًا أن تكون مصادر التمويل محلية؛ وبأن البحث يتم بتعاون بعض الجهات الإقليمية من الدول الشقيقة والصديقة.

الشيء ذاته تكرر مع رئيس الوزراء اليمني عبد القادر باجمال، الذي اتهم 'دولاً خارجية' لم يسمها بدعم التمرد في اليمن، وقال: 'إن هناك دولاً وقفت وراء حركة تمرد رجل الدين بدر الدين الحوثي أخيرًا في اليمن'. وأوضح باجمال، خلال زيارة له إلى عمان، في تصريحات لصحيفة 'الغد' الأردنية في 8/2/2005م، أن هناك ملفًا متكاملاً في حوزة مجلس الوزراء اليمني سيكشف عن تفاصيله في الوقت المناسب، لفضح ممارسات تلك الدول التي حاولت أن تعيث بأمن اليمن فسادًا، مطالبًا بإعادة النظر في مؤسسة مجلس دول التعاون الخليجي، وإيجاد منظومة موحدة بديلة تشمل دول الجزيرة العربية والعراق![7]

كما أن الدكتور 'أبو بكر القربي' ـ وزير الخارجية اليمني ـ أكد أن: 'هناك مصادر تمويل مالية من جهات خارجية لهذه العناصر، والآن يتم التحقيق حولها والتحري، وهذه الأمور سيتم الإعلان عنها في نهاية التحقيقات'[8].

كل هذه الأيادي لم تكن لتلعب بالنار وتخاطر بأمن اليمن، وبالتالي أمن المنطقة، لولا موافقة الإدارة الأمريكية ومباركتها، هذا إذا لم توعز هي شخصيًا بمساندة هذا العمل الذي يتقاطع مع مصالحها.

فأمريكا لم تكن بعيدة عن الحدث، فـ'الشباب المؤمن' الذي رفع شعار 'الموت لأمريكا الموت لإسرائيل' متمردًا على الدولة لم يحفز شهية واشنطن المتحفزة ضد الإرهابيين! وعوضًا عن الوقوف إلى جانب الحكومة اليمنية في حربها ضد الحوثي وأتباعه ـ هذا فيما لو كانت صادقة في حربها ضد الإرهاب أيًا كان دينه ومذهبه وشكله! خاصة وأنها المستهدفة بالشعار ـ بادر نائب السفير الأمريكي بصنعاء 'نبيل الخوري'، في تصريح لصحيفة 'الأيام 4450'، بالتأسف قائلا: 'من المؤسف أن تضطر الدولة اليمنية إلى مواجهة تمرد جديد في منطقة صعدة في ظروف هي بأمس الحاجة فيه للتركيز على الإصلاح الاقتصادي والحوار الوطني، والبدء بالإعداد لانتخابات عام 2006م'. وفي حين 'ندد!' بالتمرد ودعا 'إلى الهدوء والحوار والابتعاد عن التحديات واللجوء إلى العنف'. وهذه التصريحات تأتي على غير المعتاد من اللهجة الأمريكية في تأكيد الشراكة الأمريكية اليمنية في مكافحة الإرهاب!

ومن الغريب جدًا أن الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلال سفارتها في اليمن عملت على شراء الأسلحة من القبائل وأسواق السلاح المنتشرة 'وفي صعدة بالذات' تحت ذريعة إنهاء معالم التسلح في البلاد، دون أن توضح مصير تلك الأسلحة، والتي يذهب البعض إلى أنها قدمت عبر وسطاء للحوثي وأتباعه، بدليل الحصول على أسلحة متطورة وكميات من الذخيرة في أيدي المتمردين واكتشاف مخازن لها في صعدة حيث ينتشر أتباع الحوثي!

السفارة الأمريكية بصنعاء نفت في يونيو 2004م، عقب الأنباء التي تناقلتها بعض وسائل الإعلام المحلية عن كون زيارة السفير الأمريكي إلى محافظة الجوف كانت بغرض شراء الأسلحة أو كونها ذات علاقة بالحملة العسكرية ضد تمرد حسين الحوثي، أي علاقة لها بالموضوع..

إن أمريكا لم تكن في يوم من الأيام عدوًا للحوثي، كما لم يكن الحوثي وأتباعه أعداء لها، وهذا ما أكده يحيى بدر الدين الحوثي ـ وهو نائب في البرلمان اليمني ـ في حوار مع قناة العربية، من محل إقامته بالسويد، في 26/4/2005م، حيث قال: إن مأزق السلطة اليمنية المتمثل بضرورة تسليم إرهابيين يمنيين إلى الولايات المتحدة دفعها إلى اختلاق عدو وهمي لأمريكا لذر الرماد في العيون. وبخصوص الأحداث التي شهدتها مناطق جبال مران وهمدان وصعدة منذ يونيو2004، قال يحيى الحوثي: إن الحكومة اليمنية شجعت بادئ الأمر شقيقه حسين على توجيه انتقادات ضد واشنطن، وعملت على إيجاد مناخ محرض في هذا الاتجاه، للفت نظر الولايات المتحدة إلى 'عدو مفترض' في اليمن. وشدد على أن الزيديين في اليمن 'لا يعادون أحدًا' وأنهم 'عاشوا طوال تاريخهم في اليمن وبين ظهرانيهم مسيحيون ويهود من دون أن يلحقوا أذى بهم'*.

إن من 'عادة الأمريكان أن لا يترددوا في الإعلان عن العمليات التي يقفون وراءها في اليمن أو في أي مكان من العالم'[9] كما هو الحال مع اغتيال أبي علي الحارثي وستة آخرين معه في نوفمبر 2002م. بل على النقيض من ذلك، في حين اعتبرت الدولة أن ما يجري في صعدة يأتي في إطار 'الحرب على الإرهاب' لم تشر الولايات المتحدة بأي تصريح في هذا الشأن!! بل نفى السفير الأمريكي شخصيًا أن يكون للسفارة أي دور في استهداف صعدة! ونفيه هذا ينطوي في داخله على إدانة لما يجري من قبل الدولة، بمعنى أن هذه المواجهات تأتي خارج ما تراه الولايات المتحدة استحقاقًا للحرب على الإرهاب، وبالتالي فإن الدولة مدانة فيه!

إن تحركات السفير الأمريكي السابق 'آدموند هول' في صعدة والتقائه بالقبائل واهتمامه بالمنطقة، جميعها لا تخلو من دلائل ومعنى! وهو الذي التقى بزعامات المعارضة في حضرموت ليعلن بأن 'حضرموت تحظى بمقومات دولة'!!

إن الولايات المتحدة، بوجه أو بآخر، لها صلة بما يحدث في اليمن، فواشنطن كانت المنطلق الأول للانفصاليين في 1994م، وقد طالبت اليمن بقواعد حربية لها على أراضيها لكنها رفضت، وهي قلقة من المد الإسلامي السني في اليمن..

ورغم الجهود الحثيثة لتدويل القضية عبر المنظمات الدولية والحقوقية والاتصالات بالدول الغربية، 'يلاحظ أن الجهد انصب في الاتجاه الغربي وليس العربي أو الإسلامي!!'، إلا أنه وللمرة الثانية توانت الولايات المتحدة الأمريكية عن موقف واضح إلى جانب حركة الحوثي واستغلال للحدث!!

ولم تفلح الدولة من خلال المواجهات العسكرية والأمنية من حسم القضية، حتى عقب تعويض أبناء المنطقة وأسر القتلى من جانب التمرد والعفو عن المئات من المعتقلين على خلفية المواجهات وتقديم الوعود بتحسين البنى التحتية والخدمات في المنطقة.

إن المعالجات التي قامت بها السلطات لمواجهة التمرد، الذي قاده حسين الحوثي ومن بعده والده ضد الحكومة والدولة في محافظة صعدة، بحسب الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس مجلس النواب، 'هي معالجات وإجراءات عسكرية وأمنية كان الهدف منها إنهاء ذلك التمرد ومحاربة الخروج عن سلطة الدولة والقانون، وتلك المعالجات والإجراءات العسكرية والأمنية أدت دورها وحققت الغرض المرجو منها، ونحن معها لأنها هدفت إلى الحفاظ على أمن واستقرار اليمن وإلى الحفاظ على وحدته الوطنية وسلامه الاجتماعي'، 'لكنها ـ والكلام لا يزال له ـ معالجة عنيفة خلفت قتلى وجرحى بالعشرات والمئات ولم تستطع أن تقضي على ما دعا إليه الحوثي الابن ومن بعده والده بدر الدين، فما زال لهم أنصار وأتباع يؤمنون بما دعوا إليه!'، وذهب للقول بـ'أن المعالجات العسكرية والأمنية كانت ضرورية، وفي ذات الوقت فإنه لا بد أن تكون هناك معالجة متكاملة لقضية التمرد الذي قاده حسين الحوثي ووالده ضد سلطة الدولة، بحيث لا يقتصر الأمر على المعالجة العسكرية والأمنية، حيث إن من واجب الدولة والسلطات الحكومية أن توجد حلولاً ومعالجات أخرى ومختلفة لحل التداعيات التي خلفتها فتنة وتمرد الحوثي، ومنها إيجاد معالجات سياسية وإنسانية ودينية، لكي يكون النجاح في هذه المعالجات متكاملاً ولا يقتصر على جانب من الجوانب فقط وبما يحقق إنهاء مواقف رد الفعل التي قد تظهر بين وقت وآخر من بعض المتأثرين بالحوثي'[10].

كما ذهب عبد الوهاب الآنسي ـ الأمين العام المساعد لحزب الإصلاح ـ للاعتقاد بأن القضية لم تنته بعد، 'نحن نتمنى أن تنتهي هذه القضية، ونحب أن تنتهي بطريقة لا تجعل ما تبقى منها خميرة لمشكلة أكبر في المستقبل'[11].

حتى عبد الله الحكيمي ـ مرشح الرئاسة ـ الذي ذهب إلى أن حل المشكلة 'بسيط للغاية، يتمثل في انسحاب قوات الجيش من المنطقة وإطلاق سراح المعتقلين وإصلاح الأضرار وكل شيء سينتهي تلقائيًا وفورًا وأنا أؤكد ذلك يقينًا'، يرى أن 'جماعة الحوثي، سواء السيد حسين بدر الدين الحوثي أو العلامة السيد بدر الدين الحوثي أو الشيخ عبد الله عيظة الرزامى والآلاف من أنصارهما، جماعة لها عقيدة وتملك مشروعًا، ولا أعتقد أن بمقدور النظام مهما بلغ استخدام قوته العسكرية أن ينهيها'[12].

هذا الرأي يتفق مع تصريح عبد الملك الحوثي، في حوار مع صحيفة البلاغ، والذي قال فيه: 'نؤكِّدُ وكما أكدنا مرارًا أن اعتمادَ الحسم العسكري لا يحلُّ المشكلةَ على الإطلاق، وحتى لو اختارنا اللهُ شهداءً، فهناك جيلٌ قادمٌ سيحملُ اللواءَ وسيواصلُ المشوارُ، وكان من المفترض أن تتعامَلَ السلطة معنا بالحوار، إذ أننا أصحابُ قناعة ورؤية قرآنية، ونحن مستعدون أن نتحاورَ ونتفاهمَ مع أي طرف يختلفُ معنا شريطةَ أن يكونَ القرآنُ الكريمُ هو مرجعيتنا جميعًا، وقلنا مرارًا وتكرارًا إنه في حال استطاع أيُّ أحد أن يُفَنِّدَ رُؤانا وثقافتَنا من خلال القرآن الكريم فإننا مستعدون أن نتراجَعَ، وفي حال استطعنا أن نثبتَ رُؤانا القرآنية فعلى الجميع من المسلمين أن يتقبلوها'.. وحول سؤال لماذا لا يكونُ المرجعَ الدستورُ؟، قال: 'إن الدستورَ كما يتم الطرح مرتبطٌ بالقرآن، فما المانعُ أن نرجعَ إلى مرجعية الدستور نفسه، بالإضافة إلى أنه ومن خلال الفترة الماضية عرفنا ورأينا أن السلطة تجاوزت الدستورَ نفسَه، ولم تلتزم به، ونرى أن القرآنَ أقدسُ من الدستور، فنريدُ أن يتجلى للناس أن هؤلاء الذين لم يلتزموا لا بدستور ولا بقانون سيتجاوزون أيضًا الدستورَ الإلهيَّ، وهو القرآنُ الكريم،ُ فقد سبق منا في مرات سابقة ومتعددة أن عرضنا الحوارَ على أساس أن يكونَ الدستورُ هو المرجعَ فلم يُقبَلْ منا ذلك'. مضيفًا: 'وفي حال واصلت السلطة الباغية والنظام الظالم العدوانَ علينا نتوقعُ أن تكونَ المعركةُ طويلةً'[13].

في الحلقة القادمة.. نعرض فصلاً من فصول المعارضة الخارجية وأجندتها والأيادي الخفية وراءه

--------------------------------------------------------------------------------








[1]يقول يحيى الحوثي: 'إن الزيديين الذين ينتشرون ما بين ذمار جنوبًا وصعدة شمالاً لم يعادوا أحدًا من أبناء اليمن، وعلاقتنا طيبة بالشوافع الذين يمثلون الأغلبية'، [صحيفة الشرق الأوسط، عدد 9648 في 28/4/2005م].

[2] لقد وصف يحيى الحوثي في حوار مع صحيفة 'الشرق الأوسط'، في 17/4/2005م، تنظيم 'الشباب المؤمن' بأنها حركة ثقافية لمواجهة ما وصفه بـالمد 'السلفي' الذي 'هاجمنا في بيوتنا باليمن وكان مصدره جماعات التكفير' ـ على حد تعبيره. [انظر: www.asharqalawsat.com] (http://www.asharqalawsat.com]/)

[3] انظر: الحوثي [الأب] ومستقبل الفتنة المجهول، لمحمد عيظة شبية، صحيفة 'الرشد' اليمنية، عدد 33 بتاريخ 25/4/2005هـ.

[4] قالت مصادر أمنية يمنية إن المواجهات بين الجيش وأنصار زعيم التمرد بدر الدين الحوثي كشفت عن تورط مقاتلين أجانب يتمتعون بخبرة عالية في حرب العصابات، وأنه سقط خلال الاشتباكات الأخيرة أكثر من 5 من هذه العناصر!، [انظر: صحيفة 'الوطن' السعودية، عدد 1664، 20/4/2005م]

[5] انظر مقالنا في موقع المفكرة بعنوان: 'تمرد الحوثي في اليمن وأبعاد التحالف الشيعي الأمريكي في المنطقة!'.

[6] نقلاً عن موقع صحيفة 26 سبتمبر: www.26sep.net (http://www.26sep.net/).

[7] نقلاً عن موقع صحيفة الوسط الأردنية، في 10/2/2005م.

[8] نقلا عن: موقع 'المؤتمر نت'، 6/4/2005م.

[9] انظر: www.alarabiya.net (http://www.alarabiya.net/)

[10] الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، رئيس مجلس النواب، في حوار مع صحيفة 'الراية' القطرية، في 13/8/2005م.

[11] الأستاذ عبد الوهاب الآنسي، الأمين العام المساعد لحزب الإصلاح، في حوار مع صحيفة 'الخليج'، في 12/3/2006م.

[12] عبد الله الحكيمي، مرشح الانتخابات الرئاسية القادمة -2006م، في حوار مع موقع 'إيلاف'، في 16/6/2005م.

[13] نقلاً عن موقع صحيفة البلاغ اليمنية الأسبوعية، في 31/1/2006م.