المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المنقذ الموعود..هل هي حقيقة؟



أنس المحبة
30 Jun 2009, 01:56 PM
البشارة العظيمة



الحمد لله الجواد الكريم، حمداً يوافي نعمه العظام، التي لو كان البحر لها مداداً لم تنفذ ولو جيء بمثله مداداً. والصلاة والسلام على نبيه المبعوث رحمة للخلائق، المنعوت بمكارم الأخلاق وأحسنها، وعلى آله الأطهار، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأَصحابه الأخيار، وعلى الإخوان في آخر الزمان، آمين.
أما بعد، فإنه لا يختلف اثنان حول تشخيص حال أمتنا المأساوي، وحال العالم بأسره، حتى باتت نقاشات الناس لا تتعرض إلا لكثرة الخيانات وارتفاع الأسعار وقلة البركات وتوالي الآفات وتفشي المنكرات وظهور الفساد في البر والبحر وتصاعد الشحناء وانتشار الشر. فعز من يٍِِقصد إليه لقضاء الحوائج، أو من يعتمد عليه في المصائب، وقل من يستجير به الهارب والراهب، وتقطعت السبل وانسدت المسالك... وتعرضت الأمة لظلم اقتصادي ظاهر لا يقل عن الظلم السياسي النازل بنا، حيث أن الفقر والبطالة سمة الغالبية، والغنى الفاحش صفة الحكام بمختلف مراتبهم، وهذا لا يحتاج إلى بينة. والأمر من ذلك أن الثروة وفيرة عند المسلمين وهي كفيلة بإغنائهم، لكن من الذي يدافع عن المحتاجين؟ من الذي يقتص من الجباة والإقطاعيين؟ من يطبق شرع الله العادل؟ من يقوم بإحقاق الحق وإزهاق الباطل؟ من يقود سفينة الأمة إلى بر الأمان؟من...؟من...؟... من يا ترى يخلصنا من ورطتنا؟



إذا اشتملت على اليأسِ القلوبُ = وضاقَ بما بهِ الصدرُ الرَّحيبُ



وأوطـنت المكـارهُ واطمأنَّتْ = وأرستْ في مكامنها الخطوبُ

أتاك على قنوطٍ منـك غـَوْثٌ = يَمنُّ بهِ اللطيفُ المستجيـبُ

في هذه الحالات التي تعم فيها المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ويسود الظلم، يشعر الناس بحاجة ملحة إلى من يخلصهم مما هم فيه. وتكون مهمة المنقذ هي تصحيح الخطأ أينما كان ونشر الفضيلة في كل مكان. وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببشارة عظيمة فريدة، وهو الذيلا يتكلم إلا بالوحي، ألا وهي ظهور سيدنا المهدي عليه السلام في آخر الزمان، ليخلص الأمة ويستنقذها كما فعل جده المصطفى صلى الله عليه وسلم.أخرج الإمام أحمد في المسند عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أُبَشِّرُكُمْ بِالْمَهْدِيِّ يُبْعَثُ فِي أُمَّتِي عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْ النَّاسِ وَزَلَازِلَ فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا وَيَرْضَى عَنْهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ وَسَاكِنُ الْأَرْضِ وَيَمْلَأُ اللَّهُ قُلُوبَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ غِنًى فَلَا يَحْتَاجُ أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ..."[ح_رقم:11061].
وحيث أن كل المسلمين يأملون في تحقق البشارة النبوية والوعد الإلهي، ويرتقبون ظهور المخلص الموعود، من سيملأ الأرض عدلا وقسطا بعدما ملئت جورا وظلما، فإن الله الحنان المنان لن يخيب آمال الراجين، وسرعان ما سيجيب مطالب الداعين، ويصدق بشارة سيد المرسلين. فالحق لابد ظاهر، والباطل لا ريب زائل، والوعد لا شك متحقق، وربنا على كل شيء قدير. قال عز من قائل في سورة الأنبياء: "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون"، وراثة كاملة للأرض وعدنا بها الله في الكتب السابقة وفي القرآن العظيم، قريبة التحقق إن شاء الله!. قال الألوسي في معرض تفسيره للآية الكريمة في كتابه روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني:"(..)عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها"، وهذا وعد منه تعالى بإظهار الدين وإعزاز أهله واستيلائهم على أكثر المعمورة التي يكثر تردد المسافرين إليها، وإلا فمن الأرض ما لم يطأها المؤمنون، كالأرض الشهيرة بالدنيا الجديدة وبالهند الغربي، وإن قلنا بأن جميع ذلك يكون في حوزة المؤمنين أيام المهدي رضي الله تعالى عنه...".ويعزز ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يملأ الأرض عدلاً كما مُلئَت ظلمًا وجَورًا"، أي أن دعوته عالمية ستضم جميع أقطار الأرض تحت راية واحدة، وهي راية العدل والخير والحق، وهو أمل طالما سعى له كثير من الذين يريدون للإنسانية خيرًا ويظنون بها خيرًا، وهو حلم راود الكثيرَ من الفضلاء. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في التفسير:" في زمان المهدي تكون الثمار كثيرة، والزروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدين قائم، والعدو راغم، والخير في أيامه دائم".



المخلص الموعود


كما هو معلوم، فكل الديانات المؤمنة بوجود الخالق الواحد الأحد، تؤكد أن للعالم نهاية لا ريب فيها، وسوف يسبق هذه النهاية عدة أحداث، من بينها خروج منقذ للعالم يحول الحياة من الكدر والحروب والظلم والحزن، إلى الصفاء والسلام والعدل والسعادة. فالديانات غير السماوية، ولو لم تتحدث بشكل واضح عن الوعد المرتقب، إلا أنها ما لبثت تبشر أتباعها بمنقذ لكل الضعفاء المستعبدين الرازحين تحت سيطرة المتجبرين، يحرر كل المظلومين المحتقرين، وينشر الفضيلة ومكارم الأخلاق، وتعيش الإنسانية السعادة والتسامح، تماما كتلك الجمهورية التي رسمها أفلاطون منذ وقت طويل. وأما الديانات السماوية فقد تحدثت بشكل ملفت عن المخلص وعلاماته وبشرت بقدومه في آخر الزمان. فالديانات الثلاث، الإسلام والنصرانية واليهودية، تتفق على حتمية ظهور المخلص الموعود، كما أنها تؤكد على حاجة البشرية إليه، بغض النظر عن تحريفات اليهود والنصارى للكتب السماوية والأباطيل التي يروجون لها بقصد تغليط عامة الناس، فالأسفار القديمة لا تخلو من إشارات للمخلص الموعود. لكن، ما نريد التأكيد عليه في هذا المقام، هو مدى إدراك البشرية جمعاء لحاجتها للمخلص الموعود، كي تدرك السعادة في الدنيا والآخرة، لأن المهدي الموعود سيعيد أمتنا الإسلامية إلى حكم النبوة العادل، كما أن أهل الكتاب وغيرهم سيدخلون إلى الإسلام أفواجا لما يرونه من صفاء حكم الإمام المهدي عليه السلام وحسن سيرته. روى نعيم بن حماد في كتاب الفتن عن كعب الأحبار قال:" إنما سمي المهدي لأنه يهدى إلى أسفار من أسفار التوراة يستخرجها من جبال الشام يدعو إليها اليهود فيسلم على تلك الكتب جماعة كثيرة ثم ذكر نحوا من ثلاثين ألفا ". فيومئذ سيهتدي العقلاء إلى دين الله، ويهبون لما فيه صلاحهم ونجاتهم. ولن يحرم من خيرية هذا الإمام إلا المعاندون المكابرون. ألم يأمل محبو الإنسانية في الخلاص من الأزمات و الهموم؟ ألم يرقب كل الفضلاء يوما تتحول فيه الحياة إلى الصفاء والسلام والسعادة؟ هل يرفض أحد العيش بسكون وأمان؟ بالطبع لا، فالبشر لا يبحثون إلا عن الوئام والهدوء، بل ويجلون من يقوم بهذا الأمر الجليل. هذا يعني أن عددا مهما من البشر، ومن حيث لا يدرون، هم في حقيقة الأمر ينتظرون الإمام المهدي عليه السلام، فهو حلم الإنسانية المشترك والأمل المنشود الذي سطرته في تراثها و نتاجها الأدبي والثقافي، بل و زخرت به أساطيرها القديمة.
ورغم هذه الرؤية المتفائلة، فالحقيقة أن الناس يختلفون في إدراك الحقائق، وهم متباينو الآراء اتجاه المنقذ الموعود بطبيعتهم. فهناك فئة من الناس يرون أن معرفة معلومات عن هذا المنقذ أمر مهم، بل يجب الاطلاع على كل ما يتعلق به وبوقت ظهوره وحقيقة شخصيته، ويعتبرون ذلك من ضمن الاستعدادات للقاء هذا الرجل، فهم على ما يبدو مشتاقون للخلاص ومدركون لمكانة الإمام العظيمة ولدوره الحاسم في إصلاح البشرية. وفئة ثانية من الناس، وإن قبلوا فكرة المخلص الموعود، غير أنهم يفضلون عدم الانشغال بأمور لم يحن وقتها بعد كما يقولون، وكأن وقت ظهور الإمام الموعود لن يحين أبدا، فهم غارقون في التزاماتهم التي لا ترتبط بهموم الأمة وتطلعاتها وآمالها، أو أنهم يخافون من لقاء هذا المخلص لأنهم لا يرغبون في التنازل عن مكانتهم وامتيازاتهم التي حصلوا عليها بطريقة ما، فهم أقرب إلى فئة العلمانيين والإلحاديين الذين يرون أن كل ما قيل عن المنقذ المنتظر هو من قبيل الخرافات والمعتقدات البالية، هؤلاء الذين لم يؤمنوا بوجود الخالق، فكيف يؤمنون بظهور المخلص!


وصلى الله وسلم وبرك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه..