المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : زمان صبر!



زاد الرحيل
06 Nov 2008, 07:22 AM
زمان صبر!

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فمع مرور الزّمن تزداد الفتن وتكثر المحن؛ مصداقًا لقول النّبي صلى الله عليه وسلم: (لا يأتي عليكم عام ولا يوم إلا و الذي بعده شرٌّ منه حتى تلقوا ربّكم!) [البخاري]، فلا تزال الفتن تتوالى وتعظم، والمؤمن دائم الخوف منها حريص على البعد عنها، وفي الحديث (وتجيء فتن فيرفق بعضها بعضًا وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي! ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه!) [مسلم].
وإنما عبّر المؤمن بالهلكة عند خوف افتتانه في دينه لأنه لا يرى وجوده إلا بدينه، فإذا فتن وذهب دينه فقد هلك، فالمؤمن أحرص على الموت متمسّكًا بدينه منه على الحياة مفتونًا، كما في حديث اختصام الملأ الأعلى (و إذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون) [أحمد وصححه الألباني].

والفتن تدور -كما ذكر أهل العلم- على الشبهات والشهوات، وطريقهما واحد والعياذ بالله، وهو التخلي عن الدين كافة أو عن بعضه.. والفتن عادة ما تدخل على المرء تدريجيًا، وهذا مما يُعظِّم من أمرها عند المؤمن، ولهذا أعلمنا ربنا تبارك وتعالى أنّ للشيطان خطوات في إضلال بني آدم، بل قد تكون أولى خطوات الشيطان مما أباحه الله لعباده! لكنّ هذا المباح باب لما وراءه من الفتن والعياذ بالله، وكثيرًا ما سمعنا عن عظائم من الفتن تدخل بداية على الإنسان في ثوب الحلال والمباح! وقصة كعب بن مالك رضي الله عنه خير دليل على هذا، وكعب هو من هو! فلقد قال رضي الله عنه في قصته المشهورة: "فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتدّ بالنّاس الجدّ فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئًا ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئًا فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك" [البخاري].
فانظر كيف قعد كعب بن مالك رضي الله عنه مع القاعدين بعد أن عزم على التجهز واللحاق بالمسلمين غير مرة؟ فلعله لم يكن مفرطًا في بعض التأخر عن اللحاق بالركب، لكن هذا التأخر أدى به إلى التفريط..

وهذا حال كثير منّا نحن الدعاة وطلبة العلم، يبدأ الواحد منّا مشاوره في الطلب أو الدعوة وهمّته تناطح السحاب وتتلألأ تلألؤ الجوزاء! ثم سرعان ما تحبسه أو تخطفه كلالبيب الدنيا وخطاطيفها! بيد أنه كان في أعين إخوانه أبعد النّاس عن الفتنة.. لكنّه سقط مع المتساقطين.

ومنّا أيضًا من لم يتخلّى عن دعوته ويبع قضيته صراحة! لكنّه أضمرها في نفسه وقتما حدّثها بالدّعة والسكون وقبل مفاوضات الراحة والركون، حتى إذا استحكمت منه تلك الأمراض أوردتْه الموارد وأورثتْه الحسرة والنّدم، فلربّما نجا بهلاكه آخرون، وما ظلمه الله ولكنّه ظلم نفسه، ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحديد: 14].
نعم قد يظل مقيمًا لكثير من الشعائر متمسكًا بسمت الصالحين ملتزمًا صحبتهم، لكنه نسي هدفه الأعظم وغايته الكبرى.. نسي ما عاهد الله عليه من نصرة دينه وإعلاء كلمته فنسيه الله وثبطه عن الخير.

ومنّا أيضًا –وهم من أعني في كلمتي هذه أولا- من تتجاذبه قوى الحقّ تارة وقوى الباطل تارة أخرى، فهو لا يرضى بالقعود مع القاعدين والتخلف مع المتخلفين، لكنّه كذلك لم يفزع من رقدته، بل بقي على عجزه.. فهلا أفاق هذا من سبّاته واستعان بالله ربّه ولم يعجز؟
إنّ عمر رضي الله عنه اشتكى إلى الله عجزك أيها الثقة! فمتى ستتحرك؟ ومتى ستنهض بهمّتك نحو المعالي؟ نحو أمجاد أجدادك؟ نحو الأندلس وصقلية وحدود فرنسا؟ اشتكى عمر من عجزنا نحن الثقات، أصحاب الدين والقضية! اشتكى إلى الله عجز الثقة وجلد الفاجر! فكيف لو رأى عجزنا؟ وجلد أعدائنا؟! كيف لو رأى المسلمين متأخرين في كل المجالات؟!

إنّ حاجتنا اليوم إلى الهمّة العالية والعزيمة الثابتة والمصابرة الدائمة أعظم من أي وقت كان؛ إذ الفتن طالت الجميع، حتى إنّ النّبي صلى الله عليه وسلم سمى هذا الزمان: زمان صبر! وبشرنا بأن للصابر فيه أجرًا عظيمًا، فقال: (إنّ من ورائكم زمان صبر للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدًا منكم) [الطبراني وصححه الألباني]، فلا عاصم لنا بعد الله تعالى إلا بالزحف نحو المعالي واستباقها، فالصبر الصبر أيها القابضون على الجمر! حتى يقضي الله بيننا وبين أنفسنا.. وبيننا وبين الدنيا.. وبيننا وبين أعدائنا.
.
.
غفر الله لنا ولكاتب الموضوع

العزة للاسلام
06 Nov 2008, 07:39 AM
غفر الله لنا ولكاتب الموضوع


اللهم أأمين وناقله

زاد الرحيل
07 Nov 2008, 06:16 AM
آمين ، جزاكم الله خيراً