المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجهاد الأكبر



الريحان
24 Mar 2006, 11:42 PM
أريد به الوصول إلى النفس المطمئنة:-


إن المولى سبحانه تبارك وتعالى عندما خلق الإنسان أعده ليكون خليفته في أرضه ، وحامل أمانته بين خلقه , وسخر له القوي الارضية والطاقات الطبيعيه وطوع له الوسانل المادية، ورصد له المدارك العقلية، ونفث فيه الفطرة الدينية، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا.

واقتضت حكمته سبحانه عز وجل بعد ذلك أن يبث في كل نفس النزعات المادية، والنزعات الحسية، وشاءت ارادته ان تكون النفس البشرية ميدانا للصراع بين الخير والشر، وبين الفضيلة والرذيلة، وبين الرشاد والضلال ، ليحمل كل إنسان عاقبة ما اقترفت يداه وما جناه ، فيموت من مات عن بينة شاهدها، ويعيش من عاش عن حجة عاينها، يقول المولى سبحانه تبارك وتعالى : (ليهلك من هلك عن بينة، ويحيي من حي عن بينة، وليمحص الله الذين أمنوا، يمحق الكافرين ) سورة ا لأنفا ل: ا لاية ( 42 ).

فمن أخلد إلى الحياة الدنيا ، واتبع هواه ، وكان أمره فرطا ، وأثر العاجلة على الآجلة، استحق العقاب بأن يكون مصيره إلى الجحيم ، ومطعمه من الزقوم ، ومشربه من الحميم ، ومن زكى نفسه ، إطهر حسه ، وراقب الخالق سبحانه عز وجل في السر وفي العلن ، وخاف القيام بين يديه ، وحكمه فيه ، ونهى النفس عن هواها، وردها إلى طاعة مولاها ، واثر الحياة الاخرة على الحياة الدنيا ، استحق الثواب الجزيل ، بأن يكون منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة .

يقول المولى سبحانه تبارك وتعالى : (فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى، واما من خاف مقام ربه ، ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوي) سورة النازعات : الآيات (37 / ا 4 ) .

ولقد اقتضت حكمة المولي سبحانه تبارك وتعالى ورحمته ، قبل أن يعرض الإنسان لهذا الاختيار الصعب أن يرسل إليه رسلا، وأن ينزل ، إليه كتبا، وذلك على امتداد التاريخ البشري ، من عهد آدم عليه السلام ، إلى المصطنى صلوات الله عليه وسلامه ، ليز يلوا ما ران علي فطرة الإنسان من شرور وفساد، وليقيموه بعد ارتكاسه في مهاوي الضلال والرذيلة إلى سواء السبيل ، وليرشدوه ويعرفوه طريق الشرةومسأوئه ، وطريق الخير وفضائله ومحاسنه ، وذلك للعهد الذي قطعه المولى سبحانه تبارك وتعالى على نفسه في قوله:-

( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) سورة الإسراء: الآية (15).



ومن هنا تكون العدالة الا لهية، والعناية الربانية، قد أنصفت الإنسان في تطبيقها لقانون المسئولية ؤالجزاء، فلا حساب دون بيان ، ولا جزاء دون توضيح للسبل أمام الإنسان ، يقول المولى سبحانه في تبارك وتعالى (كل نفس بما كسبت رهينة) سورة المدثر. الاية (38)

ويقول سبحانه وهو أصدق القائلين : (من عمل صالحا فلنفسه ، ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد) سورة فصلت : الآية (46)

ويقول سبحانه عز وجل : (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) سورة الزلزلة. الآيتان (7، 8) .

وقد أجمعت الكتب السماوية كلها على أن الطريق القويم ، والصراط المستقيم هي طريق الإيمان والعمل الصالح .

والإيمان وحده لا يكفي ، بل لابد من الابتلاء، فالمولى سبحانه تبارك وتعالى يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان ، كما جاء في الحديث الصحيح ، عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل فالمؤمن يبتلى على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء.

يقول الحق سبحانه وهو أصدق القائلين : (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا . وهم لا يفتنون .. ولقد فتنا الذين من قبلهم ، فليعلمن الله الذين صدقوا ، وليعلمن الكاذبين ) سورة العنكبوت : الآيتان (2 ، 3)، أي : الذين صدقوا في دعوى الإيمان ممن هو كاذب في دعواه ، والحق سبحانه تبارك وتعالى يعلم ما كان ، وما يكون ، وما لم يكن ، لو كان كيف يكون ، وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة.





· العناصر الأساسية في تكوين النفس الإنسانية

اختلف العلماء والباحثون في العناصر الأساسية التي تكونالنفس الإنسانية اختلافا كبيرا، فذهب فريق منهم إلى أن الوراثة هي العامل الاكبر في هذا التكوين ، وهم يبالغون في تأكيدهم على أهمية الوراثة لدرجة أنهم يتجاوزون دائرة التكوين الجسمي والعقلي إلى التكوين الخلقي ، حيث يقولون : إن الناس يرثون عن أبائهم القدوة والمشاعر، والحالات النفسية، بالطريقة التي يرثون بها الشكل واللون ، القامة، وما إلى غير ذلك .

قلل فريق آخر من العلماء والباحثين من أهمية الوراثة، وجعلوا تأثير البيئة هو كل شيء في حياة الإنسان ، ويقولون : إن العوامل الوراثية التي يبالغ الناس في أهميتها لا قيمة لها ولا وزن لها، وليس لهاادنى أثر إذا ما قورنت بأثر العوامل البيئية التي لها أكبر الأثر في حياة ا لإنسا ن .

حقيقة أن كلا من الطرفين المختلفين مبالغ في رأيه تماما، حيث أن لكل من الوراثة والبيئة معا أكبر الأثر في تكوين النفس الإنسانية . صفات الجسم هي أكثر الصفات تأثرا بالوراثة، وتليها صفات العقل، من حيث درجة التأثر بالوراثة، أما الصفات الخلقية كالصدق والامانة، والشجاعة والعدالة، وما إلى غير ذلك من الصفات الأخرى، فهي أقل الصفات جميعا تأثرا بالوراثة. والنفس الإنسانية مكبلة بقيود الوراثة وأغلال البيئة فهي تعاني وتكابد في سبيل التخلص من هذه القيود وتلك الأغلال الشيء الكثير، وإن كان الصلف و الغرور الإنساني يخيل للإنسان أنه قادر بما يملكه من قوة،ومايحرزه من مال على فعل أى شيىء ، بيد أنه في الحقيقة عاجز وضعيف ، ولا سبيل أمامه لاقتحام هذه الأسوار المحيطة به إلا الاستعانة بقوة فوق قوته . هذه القوة ليس لها مصدر سوى الإيمان بالمولى سبحانه تبارك وتعالى ، والعمل الصالح ، يقول الحق سبحانه وهو أصدق القائلين :

( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) سورة الطلاق : الاية (4).

ولقد لخص القرآن الكريم النفس البشرية أبدع تلخيص ، وصورها تصوير، مبينا أثر الوراثة والبيئة في تكوين النفس الإنسانية، فى عبارات قليلة موجزة، ولكنها موجهة، يقول الحق سبحانه عز وجل : (لا أقسم بهذا البلد. وأنت حل بهذا البلد. ووالد وما ولد. لقد خلقنا الإنسان في كبد) سورة البلد: الايات (1 ، 4).

إن المولى سبحانه تبارك وتعالى ينوه في هذه الآيات القرأنية الكريمة بالبيئة، وهي " البلد"، وينوه بالوراثة وهي "الوالدية"، ثم يشير ما يقاسيه الإنسان من عناء الفكاك منهما، وأن غروره بقوته وماله لا ينفعه في التخلص منهما، وإنما الذي ينفعه هو أن يستغل ما وهبة المولى سبحانه تبارك وتعالى له من حواس جسمية، ومواهب فى، مستعينأ بخالقه سبحانه جل شأنه ، ومهتديأ بهداه .

· الجهاد الأكبر:

إن الإسلام يدعو إلى العزة والكرامة، والسمو من حال إلى حال ، وهذا هو ما يسميه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ب "الجهاد الاكبر"، فعن طريقه يخرج الإنسان من قيد النفس الأمارة بالسوء ، التي تنقاد لغرائزها العمياء إلى ساحة النفس المسنولة، التي تعي التقاليد المرعية، وتدرك الأوضاع الاجتماعية، وتستطيع التمييز بين الخير والشر، وتقدر النتائج ، لأن المولى سبحانه تبارك وتعالى قد عرفها طريق الهدى وطريق الضلال ، وجعلها تميز العواقب .

ومن النفس المسئولة يهاجر الإنسان إلى النفس اللوامة، وهي التي تمثل السلطة العليا للمجتمع ، بما فيه سلطة الوالدين ، وهذه النفس هي التي يسميها علماء النفس ب "الذات العليا"، أو"الرقيب"، ويطلق عليها علماء الإسلام اسم "الضمير". ، وهذه النفس تنمو بنمو الفرد، وتعد بحكم تكوينها متصلة ب "الذات السفلى"، والذات الشعورية"، وتسيطر سيطرة كاملة على النفس البشرية .

والضمير هو الذي يتولى سؤال النفس ومحاسبتها ، وهو الذي يعطيها الأوامر، ويصدر الأحكام ، ويحاسبها على الأعمال كما يحاسبها على النيات ، فهو بمثابة المراقب على العلاقة بين " النفس الأمارة بالسوء "، و" النفس المسئولة ".

وهذه الهجرة عبارة عن هجرة روحية، من قرارة الأرض إلى اعلى السموات ، وفي هذا يقول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه :" إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ مانوى،فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها،أوامرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه ". ويقول عليه أفضل ، الصلاة وأزكي السلام : " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ".

ويقول صلى الله عليه وسلم : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من، هجر ما نهى الله عنه ".

وهذه الهجرة الروحية إن لم يصاحبها الإيمان الثابت ، واليقين القوي ، والعزم المتين ، والعمل الدائب ، والجهاد المستمر، فقد تتعرض للنكسه ، ولهذا وصف المولى سبحانه تبارك وتعالى المؤمنين بأنهم البعيدون كل البعد عن الريب والشكوك ، فقال سبحانه وهو أصدق القانلين : ( إنما المؤمنون الذين امنوا بالله ورسوله ، ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، أولئك هم الصادقون ) سورة الحجرات : الاية (15).

والوسيلة إلى بلوغ هذه الغاية، هو أن يجعل الإنسان غرائزه وعواطفه متعلقة بمرضاة الله سبحانه تبارك وتعالى، فيجعل غريزة الخوف متعلقة بالله سبحانه عز وجل وحده : (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) سورة الاحزاب : الآية (37) .

وغريزة المقاتلة يجب أن يرتفع بها إلى أرفع المراتب نبلا، وأعظمها شرفا، وأجلها غاية، وأسماها هدفا، وهي التي يسعى إليها أصحاب الهمم العالية، والنفوس الأبية، والأرواح الطاهرة النقية، وهذه المرتبة هي مرتبة الجهاد في سبيل المولى سبحانه تبارك وتعالى، نشرا للعقيدة، ودفاعا عن الوطن من أن يستباح ، وذودا عن العرض من أن يمتهن .



ولقد اخبر المولى سبحانه تبارك وتعالى انه عوض من عباده المؤمنين عن انفسهم واموالهم إذا بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه ، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به علىعبيده المطيعين له ، يقول سبحانه وهو اصدق القائلين : (إن الله اشترى من المؤمنين انفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة, يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ، وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرأن ، ومن اوفى بعهده من الله ، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ، وذلك هوالفور العظيم ) سورة التوبة : الآية (111).

وغريزة الفرار يصلها بالخالق الحكيم سبحانه عز وجل : (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ) سورة الذاربات : الآية ( 50).

وغريزة حب الاستطلاع يوجهها إلى البحث والتدبر، والتامل والدراسة، في الوصول إلى معرفة الحق ، والنظر في دلائله نظر اعتبار، مستخدما في ذلك جميع حواسه ، من : سمع ، وبصر، وعقل ،

وغير ذلك ، يقول المولى سبحانه تبارك وتعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم أذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام ، بل هم أضل ، اولئك هم الغافلون ) سورة الأعراف : الأية (179 ) وعلى هذا النحو يمكن التسامي بجميع الغرائز الحسية،وجعلها مرتبطة بخالقهاومتعلقة به سبحانه عز وجل .

والعواطف الوجدانية يجب أن تتجه هي الأخرى بكاملها إلى المولى سبحانه تبارك وتعالى، إذ ان " الإنسان السوي يحب في الله سبحانه عز وجل ،ويبغض في الله سبحانه عز وجل ، مصداقا لقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه : اافضل الأعمال الحب في الله ، والبغض في الله والمؤمن إذا انشغل قلبه ، وتعلقت روحه ، بصحبة المولى سبحانه تبارك وتعالى أمن على نفسه من النكسة او الانحدار، الذي يسببه ضعف الإيمان ، ووساوس الشيطان ، ولقد حذرنا الحق سبحانه جلت حكمته من هذه النكسة أو الانحدار، فقال سبحانه عز من قانل : (ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم ، فتزيل قدم بعد ثبوتها) سورة النحل : الاية ا 941)100 ويقول سبحانه وهو أصدق القائلين : (ومن الناس من يعبد الله على حرف ، فإن أصابه خير اطمأن به ، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ، خسر الدنيا والاخرة، ذلك هو الخسران المبين ) سورة الحج : الأية (11).

ويقول سبحانه تبارك وتعالى : (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، الشيطان سول لهم ، وأملى لهم ) سورة محمد: الأية(25) ولقد وعد الحق سبحانه عز وجل المؤمنين الصادقين بأ ن يعينهم ، ويهيئ لهم سبل الاستقرار والثبات ، يقول سبحانه عز من قائل : (يثبرت الله الذين أمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة، ويضل الله الظالمين ، ويفعل الله ما يشاء) سورة إبراهيم : الاية لم (27).

· الرحلة شاقة ومضنية :

إن الرحلة التي يأمرنا بها المولى سبحانه تبارك وتعالى، والهجرة التي يدعونا إليها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، للانتقال من حضيض الحياة الحيوانية الشهوانية، إلى أفاق السموات الروحية، هي رحلة شاقة ومضنية، تعترضها العقبات ، وتحفها المشقات ، وتقف امامها الصعوبات ، وتحيل بها المكاره ، ولذلك فهي تحتاج إلى زاد كبير من التقوى، وفي هذا يقول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه : "حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات ".

وهذه الرحلة على ما فيها من أخطار ومصاعب ، فإن المولى سبحانه تبارك وتعالى يعين عباده عليها إذا اتجهوا إليها، واعتمدوا عليه ، ووثقوا به ، يقول سبحانه وهو اصدق القائلين : (الله ولي الذ ين امنوا ، يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ، يخرجونهم من النور إلى الظلمات ، أولئك اصحاب النار هم فيها خالدون ) سورة البقرة : الاية (257).

وهذه المعونة الإلهية تتجلى أقوى ما تتجلى في أن يمنح المولى سبحانه تبارك وتعالى المؤمنين نورا يضيء امامهم ظلمات الطريق ، من بدايته إلى نهايته ، يقول المولى سبحانه جلت حكمته : (ياأيها الذين أمنوا :اتقوا الله ،وأمنوا برسوله ، يؤتكم كفلين من رحمته ، ويجعل لكم نورا تمشون به ، ويغفرلكم ، والله غفوررحيم ) سورة الحديد : الأية ( 28 ) . وشتان بين من يسير تحت أشعة الأنوار,فى طريق ظاهرمرسوم ،ومنهج واضح محدد،لاعوائق أمامه ولا صعوبات ، وبين من يسير متخبطا في الظلام ، في دائرة مغلقة يمينا ويسار، وهو لايدري أين يسير، ولا كيف يسير، يقول المولى سبحانه جل شأنه في محكم كتابه : (أو من كان ميتا فأحييناه ، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ) سورة الأنعام : الاية (122).

ومن لطف المولى سبحانه تبارك وتعالى بالإنسان أنه يعلم مدى ضعفه البشري ، ويعلم ايضا انه عرضة للخطأ والنسيان والعجز، بيد أن الحق سبحانه عز وجل وهو الرحمن الرحيم ، الذي وسعت رحمته ومغفرته كل شيء ، رفع عنه الخطأ والنسيان ، وما اكره عليه, وفتح امامه أبواب التوبة والمغفرة على اتساعها، ووعده بأنه إذا رجع إليه وأناب ،بدل سبحانه عزوجل سيئاته حسنات ،وأنسى الحفظة ذنوبه ، يقول سبحانه جل وعلا: (إن ربك واسع المغفرة، هو أعلم بكم ، إذ أنشاكم من الأرض ، واذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ، فلا تزكوأ نفسكم ، هو أعلم بمن أتقى) سورة النجم : الاية (32).

ويقول سبحانه عزوجل : (قل : يا عبادي الذين اسرفوا على أ نفسهم , لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هوالغفور الرحيم ) سورة الزمر: الاية (53).

وفي نهاية الرحلة يطهر المولى سبحانه تبارك وتعالى قلب الإنسان ويزكيه ، ويعطيه الحكمة التي تعصم من النكسة أو الانحدار، وتجعل خشية الله سبحانه عز وجل في قلبه على الدوام ، إذ أن "رأس الحكمة مخافة الله" يقول المولى سبحانه تبارك وتعالى: (يؤت الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا، وما يذكر إلا أولوا الألباب ) سورة البقرة : الاية (269) .



وعندما يمتلئ قلب المؤمن بالحكمة، فإنه يكون قد بلغ مرتبة التقى والإخلاص، واستحق أن يصفه المولى سبحانه عز وجل بأنه من عباده المخلصين ، وكان اهلا لاصطفاء الله سبحانه عز وجل وولايته وكان جديرأ بالأمن والاطمئنان ، والنجاة من المخاوف والأحزان ، يقول الحق سبحانه تبارك وتعالى : (فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) سورة الأعراف : الآية (35).

· مرتبة النفس المطمئنة :

إن النفس البشرية إذا وصلت إلى هذه المرحلة من السمو عمتها السكينة، وشملتها الرحمة، وعمها الهدوء ، وازدادت إيمانا فوق إيمانها، يقول المولى سبحانه عز وجل : (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) سورة يونس : الآية (62).

وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - انه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ان من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء"، قيل : من هم يا رسول الله لعلنا نحبهم ؟.. قال : "قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا انساب ، وجوههم نور على منابر من نور، لايخافون إذا خاف الناس ، ولايحزنون إذا حزن الناس "،ثم قرا: (ألا ان اولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون).

والنفس في هذه الحالة تكون مطمننة بذكر المولى سبحانه تبارك وتعالى، يقول سبحانه وهو أصدق - القائلين : (الذين أمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) سورة الرعد: الآية (28).

بهذه المرتبة يسميها القران الكربم مرتبة "النفس المطمئنة"، وهي المرتبة السامية التي لم تسم إليها معارف علماء النفس المحدثين ، لأنها فوق فهم وتصور العلماء والباحثين ، وفيها يقول المولى سبحانه عز وجل : (يأيتها النفس المطمئنة : ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي ، وادخلي جنتي ) سورة الفجر: الايات (27 لم . 3) . وبعد: فلقد وصف القران الكريم مراحل النفس البشرية وصفا حكيما، ووضح معالمها توضيحأ دقيقا، وبين وسائل اجتيازها، وأعان السالكين فيها على بلوغ غايتها، لمن أراد الادراك النبيل .

ولم يكتف القرآن الكريم بهذا، بل وصف السالكين في هذه المرحلة، بين أن بعضهم قد ينقطع به الطريق ، وبعضهم قد يؤثر الراحة على التعب ، وبذل الجهد، فيخلد إلى الحياة المادية، ويقنع بالشهوات والنزعات ، وبعضهم قد يصل إلى منتصف الطريق ، فيختلط عليه الأمر، فيمزج عملا صالحا بعمل سيئ ، وبعضهم يواجه كل العوانق والصعوبات ، ويصل إلى نهاية الطريق . ولقد قسم القرأن الكريم السالكين في هذه المرحلة إلى ثلاثة اقسام ، وهي على الترتيب الاتي :

1 - الظالمون لأنفسهم : وهؤلاء هم الذين يؤتون صحائف اعمالهم بشمانلهم ، فهم في حر نار ينفذ في المسام ، وهاء متناه في الحرارة، وظل من دخان اسود، لا بارد كسائر الظلال يستظل به ، ولا كريم ينتفع به .

2 - المقتصدون : هم الذين خلطوا عملا صالحا بعمل أخر سيء ، وهؤلاء عسى ان يتوب عليهم المولى سبحانه تبارك وتعالى، وبغفر لهم ، فإذا حقت لهم التوبة، دخلوا في اصحاب اليمين .

3 - السابقون بالخيرات : وهؤلاء هم المقربون ، الذين أنعم عليهم المولى سبحانه تبارك وتعالى، وجعل مكانهم مع النبيين ، وبجوار الصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا .

يقول المولى سبحانه تبارك وتعالى في هؤلأء جميعا: (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة، والسابقون السابقوق ، أولئك المقربون ، في جنات النعيم ، ثلة من الأولين ، وقليل من الاخرين ، على سرر موضونة، متكئين عليها متقابلين ، يطوف عليهم ولدان مخلدون ، بأكواب وأباريق وكأس من معين، لا يصدعون عنها ولا ينزفون ، وفاكهة مما يتخيرون ، ولحم طير مما يشتهون ، وحور عين ، كأمثال اللؤلؤ المكنون ، جزاء بما كانوا يعملون ) سورة الواقعة: الايات (8/24).

ويقول سبحانة وهو أصدق القائلين في محكم كتابة : ( فأما ان كان من المكذبين الضالين , فروح وريحان وجنة نعيم وأما ان كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم ، وتصلية جحيم ان هذا لهو حق اليقين، فسبح باسم ربك العظيم ) سورة الواقعة: الآيا ت (88 /96 ) فمن اراد أن يصل إلى هذه المرتبة السامية ويبلغ الذروة العالية، وينعم بالنفس الهادئة المطمئنة، فليشمر عن ساعد الجد، ويواصل الكفاح والكد، ويبذل اقصى طاقات الجهد، بتحمل التبعات ، بحتمل المشقات ، وينبذ الشهوات، ويبتعد عن النزعات ، ويستعين بفاطر الأرض والسموات ، يقلول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في حديثه الشريف :" من خاف ادلج ، ومن ادلج بلغ المنزل .. الا ان سلعة الله غالية . . الا ان سلعة الله الجنة ".

اعان المولى سبحانه تبارك ؤتعالى كل من هذب نفسه ، وتحكم في اهوائها وشهواتها، وجاهد في سبيل التغلب على نزعاتها، وجعل ضميره إمامه في كل عمل يعمله ، سواء صغر هذا العمل أم كبر، وخشى الحق سبحانه عز وجل حق خشيته ، وجعله ممن (جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها ابدا، رض الله عنهم ورضوا عنه ، ذلك لمن خشي ربه ) سورة البينة : الاية (8). وجعلنا سبحانه جلت حكمته ممن يرددوق " على الدوام - في دعائهم ، قول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه : " اللهم إني اسألك نفسا بك مطمئنة، تؤمن بلقائك ، وترضى بقضائك ، وتقنع بعطائك ". والله سبحانه تبارك وتعالى من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل .

سنا البرق
26 Mar 2006, 06:50 AM
أحسن الله إليك


الموضوع مكانه في الشرعي


أعتذر على النقل .. وفقك الله , ونفع بك .