المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ((غزل الفقهاء))



الريحان
07 Mar 2006, 07:21 PM
غزل الفقهاء

بقلم : الشيخ علي الطنطاوي



قال لي شيخ من المشايخ المتزمتين، وقد سقط إليه عدد من الرسالة، فيه مقالة لي في الحب

مالك والحب، وأنت شيخ وأنت قاض، وليس يليق بالشيوخ والقضاة أن يتكلموا في الحب، أو يعرضوا للغزل؟! إنما يليق ذلك بالشعراء، وقد نزه الله نبيّه عن الشعر، وترفع العلماء وهم ورثة الأنبياء عنه، وصرح الشافعي أنه يزري بهم، ولولا ذلك كان أشعر من لبيد

فضحكت، وقلت له

أما قمت مرة في السحر، فأحسست نسيم الليل الناعش، وسكونه الناطق... وجماله الفاتن، فشعرت بعاطفة لا عهد لك بمثلها، ولا طاقة لك على وصفها؟

أما سمعت مرة في صفاء الليل نغمة عذبة، من مغنّ حاذق قد خرجت من قلبه، فهزّت منك وتر القلب، ومسّت حبّة الفؤاد؟

أما خلوت مرة بنفسك تفكر في الماضي فتذكر أفراحه وأتراحه، وإخوانا كانوا زينة الحياة فطواهم الثرى، وعهدا كان ربيع العمر فتصرم الربيع، فوجدت فراغا في نفسك، فتلفت تفتش عن هذا الماضي الذي ذهب ولن يعود؟

أما قرأت مرة قصة من قصص الحب، أو خبراً من أخبار البطولة فأحسست بمثل النار تمشي في أعصابك، وبمثل جناح الطير يخفق في صدرك؟

أما رأيت في الحياة مشاهد البؤس؟ أما أبصرت في الكون روائع الجمال؟ فمن هو الذي يصور مشاعرك هذه؟ من الذي يصف لذائذك النفسية وآلامك، وبؤسك ونعماءك؟ لن يصورها اللغويون ولا الفقهاء ولا المحدثون، ولا الأطباء ولا المهندسون. كل أولئك يعيشون مع الجسد والعقل ، محبوسين في معقلهما، لا يسرحون في فضاء الأحلام، ولا يوغلون في أودية القلب، ولا يلجون عالم النفس... فمن هم أهل القلوب؟

إنهم الشعراء يا سيدي، وذلك هو الشعر!ـ

إن البشر يكدّون ويسعون، ويسيرون في صحراء الحياة، وقيد نواظرهم كواكب ثلاثة، هي هدفهم وإليها المسير، ومنها الهدي وهي السراج المنير، وهي الحقيقة والخير والجمال، وإن كوكب الجمال أزهاها وأبهاها، إن خفي صاحباه عن بعض الناس فما يخفى على أحد، وإن قصرت عن دركهما عيون فهو ملء كل عين، والجمال بعد أسّ الحقائق وأصل الفضائل، فلولا جمال الحقيقة ما طلبها العلماء، ولولا جمال الخير ما دعا إليه المصلحون. وهل ينازع في تفضيل الجمال إنسان؟ هل في الدنيا من يؤثر الدمنة المقفرة على الجنة المزهرة؟ والعجوز الشوهاء على الصبية الحسناء؟ والأسمال البالية على الحلل الغالية؟

فكيف يكون فيها من يكره الشعر (أعني الشعر الحق، الذي يجمع سمو المعنى، وموسيقى اللفظ، لا هذا الهذيان الذي نقرؤه الآن -الذي يدعونه الشعر الحديث- شعر الحدأثة أي الحدث الأكبر الذي لا يتطهر منه صاحبه إلا بالغسل)، وهو جمال القول، وفتنة الكلام؟ وهو لغة القلب فمن لم يفهمه لم يكن من ذوي القلوب. وهو صورة النفس، فمن لم يجد فيه صورته لم يكن إلا جماداً. وهو حديث الذكريات والآمال، فمن لم يذكر ماضيا، ولم يرج مستقبلا، ولم يعرف من نفسه لذة ولا ألما، فليس بإنسان

إنه شاعر" لأن الشاعر يأتيه الوحي من داخل نفسه، والنبي يجيئه من السماء، وهذا الذي لم تدركه العرب، فقالوا قولتهم التي ردها الله عليهم!.ـ

وأين وجدت حرمة الشعر، أو مذمته من حيث هو كلام جميل، يصف شعورا نبيلا؟ إنما يقبح إذا اشتمل على الباطل، كما يقبح كل كلام يشتمل عليه.ـ

ومن أين عرفت أن العلماء قد ترفعوا عنه، والكتب مملوءة بالجيد من أشعارهم، في الحب والغزل ووصف النساء؟

أو ما سمعت بأن النبي صلى الله عليه وسلم أصغى إلى كعب وهو يهدر في قصيدته التي يتغزل فيها بسعاد… ويصفها بما لو ألقي عليك مثله لتورّعت عن سماعه… وتصاممت عنه ، وحسبت أن التقى يمنعك منه وذهبت تلوم عليه، وتنصح بالإقلاع عن قائله...ـ

وما سعاد غدة البين إذ برزت * * * كأنها منهل بالـراح معلـول

هيفـاء مقبلة عجـزاء مدبرة * * * لا يشتكي قصر منها ولا طول

وأن عمر كان يتمثّل بما تكره أنت.. من الشعر، وأن ابن عباس كان يصغي إلى إمام الغزلين عمر بن أبي ربيعة، ويروي شعره؟ وأن الحسن البصري كان يستشهد في مجلس وعظه، بقول الشاعر:ـ

اليوم عندك دلها وحديثها * * * وغدا لغيرك كفها والمعصم

وأن سعيد بن المسيب سمع مغنيا يغني:ـ

تضوع مسكا بطن نعمان إن مشت * * * به زينب في نسوة خفرات

فضرب برجله وقال: هذا والله مما يلذ استماعه، ثم قال:ـ

وليست كأخرى أوسعت جيب درعها * * * وأبدت بنـان الكف للجمـرات

وعالت فتات المسد وخفـاً مرجّـلا * * * على مثل بدر لاح في الظلمات

وقامت تراءى يـوم جمـع فأفتنت * * * برؤيتها من راح من عرفـات

فكانوا يرون هذا الشعر لسعيد بن المسيب!.ـ

وما لي أدور وأسوق لك الأخبار، وعندنا شعراء كان شعرهم أرق من النسيم إذا أسرى، وأصفى من شعاع القمر، وأعذب من ماء الوصال، وهم كانوا أئمة الدين وأعلام الهدى.ـ

هذا عروة بن أذينة الفقيه المحدث شيخ الإمام مالك يقول:ـ

إن التي زعمـت فـؤادك ملها * * * خلقت هواك كما خلقت هوى لها

فبك الذي زعمـت بها وكلاكما * * * يبدي لصاحبه الصبـابـة كلها

ويبيت بين جوانحي حـبٌّ لهـا * * * لو كان تحـت فراشهـا لأقلها

ولعمرها لو كان حبـك فوقها * * * يوماً وقد ضحيـت إذن لأظلهـا

وإذا وجدت لها وساوس سلـوة * * * شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها

بيضاء باكرها النعيـم فصاغها * * * بلبـاقـة فـأدقهـا وأجلهـا

!منعـت تحيتها فقلـت لصاحبي * * * ما كان أكثـرها لنـا وأقلها

فدنا فقـال ، لعلهـا معـذورة * * * من أجل رقبتها، فقلت : لعلها

هذه الأبيات التي بلغ من إعجاب الناس بها أن أبا السائب المخزومي لما سمعها حلف أنه لا يأكل بها طعاما إلى الليل!.ـ

وهو القائل، وهذا من أروع الشعر وأحلاه، وهذا شعر شاعر لم ينطق بالشعر تقليدا، وإنما قال عن شعور، ونطق عن ححب، فما يخفى كلام المحبين:ـ

قالت ( وأبثثتها وجدي فبحت به ): * * * قد كنت عندي تحب السعر، فاستتر

ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها: * * * غطى هواك وما ألقى على بصري

هذا الشاعر الفقيه الذي أوقد الحب في قلبه نارا لا يطفئها إلا الوصال:ـ

إذا وجدت أوار الحب في كبدي * * * عمدت نحو سقاء الماء أبترد

هبني بردت ببرد الماء ظاهره * * * فمن لحر على الأحشاء يتّقد!؟

وهذا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أحد فقهاء المدينة السبعة الذين انتهى إليهم العلم، وكان عمر بن عبد العزيز يقول في خلافته: لمجلس من عبيد الله لو كان حيا، أحب إلي من الدنيا وما فيها. وإني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بألف دينار من بيت المال، فقالوا: يا أمير المؤمنين، تقول هذا مع شدة تحريك وشدة تحفظك؟ قال: أين يذهب بكم؟ والله إني لأعود برأيه ونصيحته ومشورته على بيت المال بألوف وألوف. وكان الزهري يقول: سمعت من العلم شيئا كثيرا، فظننت أني اكتفيت حتى لقيت عبيد الله فإذا كأني ليس في يدي شيء!.ـ

وهو مع ذلك الشاعر الغزل الذي يقول:ـ

شققت القلب ثم ذررت فيـه * * * هواك فليم فالتمام الفطور

تغلغل حب عشمة في فؤادي * * * فباديه مع الخافي يسيـر

تغلغل حيث لم يبلغ شـراب * * * ولا حزن ولم يبلغ سرور

أفسمعت بأعمق من هذا الحب وأعلق منه بالقلب؟ ولم يكن يخفي ما في قلبه، بل كان إذا لقيه ابن المسيب فسأله: أأنت الفقيه الشاعر؟ يقول: "لا بد للمصدور من أن ينفث" فلا ينكر عليه ابن المسيب. وهو القائل:ـ

كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم * * * ولامـك أقـوام ولومهـم ظلـم

ونمّ عليـك الكاشحون و قبلهـم * * * عليك الهـوى قد نم لو نفع النم

وزادك إغـراء بها طـول بخلها * * * عليك وأبلى لحم أعظمك الهـم

فأصبحت كالنهدي إذ مات حسرة * * * على إثر هند أو كمن سقي السم

ألا من لنفس لا تمـوت فينقضي * * * شقاها ولا تحيا حياة لها طعـم

تجنبـت إتيـان الحبيـب تأثمـا * * * ألا إن هجران الحبيب هو الإثـم

فـذق هجـرها إن كنت تزعم أنه * * * رشاد ألا يا ربما كذب الزعـم

ألا إن هذا هو الشعر!.ـ

واسمع يا سيدي أنشدك ما يحضرني من غزل الفقهاء، لا أستقصي ولا أعمد إلى الترتيب، وإنما أروي لك ما يجيئني، وما يدنو مني مصدره. هذا أبو السعادات أسعد بن يحيى السنجاري الفقيه الشافعي المتوفى سنة 622 هـ فاسمع من شعره ما ترقص منه القلوب، وتطرب الألباب: حلاوة ألفاظ، وبراعة معنى، وحسن أسلوب، قال من قصيدة له:ـ

وهـواك ما خطر السلو ببالـه * * * ولأنـت أعلـم في الغـرام بحالـه

ومتى وشى واش إليـك بأنـه * * * سـال هـواك فـذاك مـن عذالـه

أوليس للكلـف المعـنى شاهد * * * من حالـه يغنيـك عـن تسـآلـه

جددت ثوب سقامـة، وهتكـت * * * ستر غرامه، وصرمت حبل وصاله

أفزلـة سبقـت لـه أم خلـة * * * مـألـوفـة من تيـهـه ودلالـه

أوما سمعت شعر الشيخ الشهرزوري الصوفي هاك منه قوله:ـ

فعاودت قلبـي أسأل الصبـر وقفـة * * * عليها فلا قلبي وجدت ولا صبري

وغابت شموس الوصل عني وأظلمت * * * مسالكه حتى تحيـرت في أمري

وهاك قول ظهير الدين الأهوازي الوزير الفقيه، تلميذ أبي أسحق الشيرازي:ـ

وإني لأبدي في هواك تجلدا * * * وفي القلـب مني لوعة وغليل

فلا تحسبن أني سلوت فربما * * * ترى صحة بالمرء وهو عليل

وقول أبي القاسم القشيري الإمام الصوفي العلم:ـ

لو كنت ساعة بيننا ما بيننا * * * ورأيت كيف تكـرر التوديعـا

لعلمت أن من الدموع محدثا * * * وعلمت أن من الحديث دموعا

والبيت الثاني من مرقصات الشعر.ـ

وكان مع ذلك علامة في الفقه والتفسير والحديث ومن فقهاء الشافعية الكبار، وهو صاحب الرسالة التي يعتدها الصوفية ككتاب سيبويه عند النحويين، ولا ينصرف الإطلاق إلا لها، ومن شعره:ـ

ومن كان في طول الهوى ذاق لذة * * * فإني من ليلي لها غير ذائق

وأكثر شيء نلتـه من وصالهـا * * * أماني لم تصدق كخطفة بارق

ومن شعر القاضي عبد الوهاب المالكي الفقيه المشهور المتوفى سنة 422 والمدفون في قرافة مصر، وصاحب الخبر المستفيض لما خرج من بغداد وخرج أهلها لوداعه وهم يبكون ويعولون وهو يقول: والله يا أهل بغداد، لو وجدت عندكم رغيفا كل يوم ما فارقتكم. ويقول:ـ

سلام على بغداد في كل موطن * * * وحق لها مني سلام مضاعف

فوا الله ما فارقتها عن قلى لها * * * وإني بشطي جانبيها لعـارف

ولكنها ضاقـت علي بأسرهـا * * * ولم تكن الأرزاق فيها تساعف

وكانت كخل كنت أهـوى دنوه * * * وأخلاقـه تنأى به وتخالـف

ويقول فيها:ـ

بغداد دار لأهل المـال طيبـة * * * وللمفاليس دار الضنك والضيق

ظللت حيران أمشي في أزقتها * * * كأنني مصحف في بيت زنديق

وهو معنى جيد وتشبيه عجيب. وهو القائل:ـ

متى يصل العطاش إلى ارتواء * * * إذا استقت البحـار من الركايا

ومن يثني الأصاغر عن مـراد * * * وقد جلس الأكابـر في الزوايا

وإنَّ ترفـع الوضعـاء يومـا * * * على الرفعاء من إحدى الرزايا

إذا استوت الأسـافل والأعالي * * * فقد طابـت منادمـة المنايـا

ومن غزله الذي يتغزل فيه بلغة الفقه والقضاء، فيأتي فيه بالمرقص المطرب قوله:ـ

ونائمة قبّلتها فتنبهت * * * وقالت تعالوا واطلبوا اللص بالحد

فقلت لها إني (فديتـك) غاصـب * * * وما حكموا في غاصب بسوى الرد

خذيهـا وكفي عن أثيـم ظلامـة * * * وإن أنت لم ترضي فألفا على العد

فقـالت قصاص يشهد العقـل أنه * * * على كبد الجاني ألـذ من الشهـد

فباتت يميني وهي هميان خصرها! * * * وباتت يساري وهي واسطة العقد

فقـالت ألم تخبـر بأنـك زاهـد؟ * * * فقلت: بلى ما زلت أزهد في الزهد

وهاك القاضي الجرجاني مؤلف (الوساطة) علي بن عبد العزيز الفقيه الشافعي، الذي ذكره الشيرازي في طبقات الفقهاء صاحب الأبيات المعلمة المشهورة:ـ

يقولون: لي فيـك انقباض، وإنما * * * رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما

أرى الناس من داناهم هان عندهم * * * ومن أكرمته عزة النفـس أكرما

وما كل بـرق لاح لي يستفـزني * * * ولا كل من لاقيت أرضـاه منعما

وإني إذا فاتني الأمـر لـم أبـت * * * أقلـب طـرفي إثـره متنـدمـا

ولكنه إن جـاء عفـواً قبلـتـه * * * وإن مال لـم أتبعـه لولا وربمـا

وأقبض خطوي عن أمور كثيـرة * * * إذا لم أنلها وافر العرض مكرمـا

وأكرم نفسي أن أضاحك عابسـاً * * * وأن أتلقى بـالـمـديـح مذمما

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم * * * ولو عظمـوه في النفـوس لعَظّما

ولكن أهانـوه فهـان ودنسـوا * * * محيـاه بالأطمـاع حتى تجهمـا

أأشقى به غرساً وأجنيـه ذلـة؟ * * * إذن فاتباع الجهـل قد كان أحزما

ويا ليت كل عالم ينقش هذه الأبيات في صدر مجلسه، وعلى صفحة قلبه، ويجعلها دستوره في حياته، وإمامه في خلائقه!.ـ

والأبيات الأخرى:ـ

وقالوا: توصل بالخضوع إلى الغنى * * * وما علموا أن الخضوع هو الفقر

وبيني وبين المـال شيئان حرمـا * * * عليّ الغنى: نفسي الأبية والدهـر

إذا قيل هذا اليسـر أبصـرت دونه * * * مواقف خير من وقوفي بها العسر

وله في هذا المعنى الشعر الكثير الجيد، أما غزله فسهل حلو ومنه قوله:ـ

ما لي وما لك يا فراق * * * أبداً رحيل وانطلاق

يا نفس موتي بعدهـم * * * فكذا يكون الاشتياق

وقوله:ـ

قد بـرح الـحـب بمشتاقـك * * * فـأَوْلِهِ أحـسـن أخـلاقـك

لا تجـفـه وارع لـه حـقـه * * * فـإنـه آخـر عـشـاقـك

وهاك القاضي سوار (الأصغر) بن عبد الله من أهل القرن الثالث الذي يقول:ـ

سلبـت عظامي لحمهـا فتركتهـا * * * عـوارى في أجلادهـا تتكسـر

وأخليـت منهـا مخّهـا فكـأنهـا * * * أنابيب في أجوافها الريح تصفر

إذا سمعـت باسم الفـراق ترعّدت * * * مفاصلها من هـول ما تتحـذر

! خذي بيدي ثم اكشفي الثوب فانظري * * * بلى جسـدي لكنني أتستـر

وليس الذي يجري من العين ماءها * * * ولكنهـا روح تـذوب فتقطـر

وهاك قاضي القضاة ابن خلكان المشهور، وكان يعشق ابن الملك المسعود بن المظفر، وكان قد تيمه حبه، قال القاضي التبريزي: كنت عنده في العادلية (دار المجمع العلمي اليوم) في بعض الليالي، فلما انصرف الناس من عنده قال لي: نم أنت ههنا. وألقى علي فروة، وقام يدور حول البركة، ويكرر هذين البيتين إلى أن أصبحنا فتوضأنا وصلينا، والبيتان هما:ـ

أنـا والله هـالـك * * * آيس من سلامتي

أو أرى القامة التي * * * قد أقامت قيـامتي

ولما فشا أمره، منع الملك ابنه من الركوب، فاشتد ذلك على ابن خلكان، فكان مما قال:ـ

إن لم تجودوا بالوصـال تعطفاً * * * ورأيتـم هجـري وفـرط تجنبي

لا تمنعوا عيني القريحة أن ترى * * * يوم الخميس جمالكم في الموكب

لو كنت تعلم يا حبيـبي ما الذي * * * ألقـاه من كمـد إذا لم تركـب

لرحمتني ورثيـت لي من حالة * * * لولاك لم يك حملهـا من مذهبي

ومن البـلـيـة والرزية أنني * * * أقضي ولا تدري الذي قد حل بي*

قسماً بوجهك وهو بـدر طالع * * * وبـلـيـل طرَّتك التي كالغيهـب

لو لم أكن في رتبـة أرعى لها * * * العهـد القديـم صيانة للمنصب

لهتكت ستري في هواك ولذ لي * * * خلـع العـذار ولو ألـح مؤنبي

لكن خشيـت بأن يقول عواذلي * * * قد جن هذا الشيخ في هذا الصبي

ـ((*بل البلية والله أن يكون قاضيا ويعشق الغلمان، هذا مع الثقة بدينه، وأنه لا يطلب حراما ولا يأتيه مختارا -غفر له الله))ـ

فارحم فديتك حرقة قد قاربت * * * كشف القناع بحق ذِيَّاك النبي

لا تفضحن بحبك الصبَّ الذي * * * جرعته في الحب أكدر مشرب

وله فيه شعر كثير جدا.ـ

ومن شعر محمد بن داوود الظاهري، مؤلف كتاب (الزهرة) في الحب، وكان فقيها على مذهب أبيه داوود وكان شاعرا:ـ

أنزه في روض المحاسن مقلتي * * * وأمنع نفسي أن تنال محرما

وأحمد من ثقل الهوى ما لو أنه * * * يصب على الصخر الأصم تهدما

ومن شعر أبي الفضل الحصكفي الفقيه الشافعي:ـ

أشكو إلى الله من نارين: واحـدة * * * في وجنتيه وأخرى منه في كبدي

ومن سقامين: سقم قد أحـل دمي * * * من الجفون وسقم حل في جسدي

ومن نمومين: دمعي حين أذكـره * * * يذيع سري وواش منه بالرصـد

ومن ضعيفين: صبري حين أبصره * * * ووده ويـراه النـاس طوع يدي

ولو ابتغيت الاستقصاء، وتتبعت المراجع، لجمعت من غزل الفقهاء كتابا، فأين هذا مما يزعمون أن الفقهاء كرهوا الشعر، وتنزهوا عنه؟

أما إنها لم تفل ألسنة علمائنا، ولم تكل أقلامهم، ولم تخفت أصواتهم، إلا حين أضاعوا ملكة البيان، وزهدوا في الأدب، وحقروا الشعر... فهل لعلمائنا عودة إلى ما هم أخلق به، وأدنى إليه، وأقدر لو أرادوه عليه؟! مع الديانة والصيانة وأنهم (يقولون ما لا يفعلون) وما لا يدفع إلى ما يأباه الدين

بنت الخـطاب
07 Mar 2006, 07:34 PM
تسجيل مرور

بارك الله فيكم
.
.