المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ( الإحســــــــــــــــــــــان )



redfox
02 Jul 2005, 01:14 AM
:rose:

الحمد الله الذي كتب الإحسان على كل شي وأصلي على من بعثه الله رحمة للعالمين وقدوة للناس أجمعين

أما بعد:

يقول الله عز وجل (( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان )) أي هل جزاء من أحسن في عبادة الخالق ونفع عبيدة إلا الثواب الجزيل والفوز الكبير والنعيم المقيم والعيش السليم لنا يا إخواني مع هذه الآية وقفات وتأملات.



الوقفة الأولى:-



تأمل في هذا الكون وما حوله تظهر لك الأسرار والحكم الباهرات والأنوار الساطعات نم خلالها تسير وعلى ضوئها تستقيم حين تزرع في الأرض حباً طيبا تهنئ فيه ويطيب عيشك له , ثم تأمل حينما تصلح نفسك وتستقيم على شرع الله ويكون هذا هو سمة الناس تجد أن السماء تنزل من بركاتها والأرض تخرج من خيراتها, لمّا أحسنت أحسنت السماء والأرض ولهذا يقول الله على لسان نوح عليه السلام ((فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفّارا* يرسل السماء عليكم مدرارا* ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا )) ثم تأمل في عالم الحيوانات تجد أيضا العجب العجاب ولنأخذ مثالا واحدا يكفي لنسل المراد والوصول إلى المقصود, هذا الكلب الذي يعتبر في الشرع نجاسته نجاسة مغلظة, بل جاء في أول الشرع الأمر بقتله مما يدل على خبثه وقبحه تجد أنك إذا عاملته معاملة حسنه فإنه يبادلك نفس الشعور, فيحمي بيتك ويراعي شياهك ويحفظ مالك.



الوقفة الثانية:-



من خلال هذا العرض السريع الموجز يظهر لنا بكل وضوح وجلاء أن قضية لإحسان لمن أحسن إليك قضية فطرية مجبولة في النفوس الطاهرة الزكية, فالذي يحسن لمن أحسن إليه فقد وافق فطرته السوية وأيضا سار على ما تسير إليه هذه الكائنات وهذه البيئات على اختلاف أشكالها وألوانها.



الوقفة الثالثة:-



عرفنا فيما مضى أن قضية الإحسان والمقابلة بالمثل لمن أحسن إليك أنها قضية فطرية وأنها شعور ذاتي وجداني أساسي.

فهنا نبين أن عدم الإحسان لمن أحسن إليك أنها انتكاسة فطرية ناتجة عن ضعف إيمان أو خلوه الذي سببه البعد عن نصوص الكتاب والسنة والعكوف على أقاويل الأبطال والرجال, فبين مستقل ومستكثر وهو بهذا التصرف البليد قد صادم الكون والبيئة التي من سماتها المعاملة بالمثل فهي تحسن لمن أحسن إليها, وتعرف له حقه وقدره وفضله فليت شعري هل يستيقظ أولئك الصنف من الناس التي ماتت عنهم المشاعر والأحاسيس وأصبح الجفاف طبعهم والقسوة ديدنهم فالله المستعان.







الوقفة الرابعة:-



شرعنا شرعنا طهر كامل بكل الوجوه ومن جميع النواحي والزوايا, إنه لم يهمل مثل هذه القضية المهمة التي يعاني منها الكثير من الشباب في وسط الساحات وفي تقدم الحضارات, فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم يخبرنا أنه من صنع إلينا معروفاً فإنه يلزمن أن نكافئه فإن لم نجد ما نكافئه فلا أقل من أن ندعو له بظهر الغيب أو في وجه على وجه تثبيته على هذا الفعل الحسن والعمل الجميل, والنبي صلى الله عليه وسلم أيضاً يخبرنا أن الله كتب الإحسان على كل شي فقال(( إن الله كتب الإحسان على كل شي فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته )) إن هذا التوجيه النبوي الكريم يرشدنا إلى الإحسان مع هذه الحيوانات فكيف يطيب لنا أن نأكل من لحمه ونتلذذ بأكله ثم لا نحسن إليها, حتى ونحن نباشر قتله وسفك دمه لابد من مراعاة راحته بحيث تخرج روحه بكل سرعة وسهوله وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن نذبح الشاة وأختها تنظر إليها, كل ذلك إحساناً إلى هذه البهائم التي تتضرر من الإساءة إليها, والله عز وجل يقول (( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها...الآية )) تأمل جيداً في هذه الآية فالله عز وجل أمرنا لمن أحسن إلينا فبذل لنا السلام أن نرد عليه بأحسن مما بذل فإن لم يكن كذلك فلا أقل من أن نرد عليه بمثل ما قد قال فسبحان العليم الحكيم.

بل قال بعض العلماء أن الرد كما يكون في الصيغة فإنه كذلك يكون في الكيفية, فحينما يسلم عليك رجل بصوت مرتفع فليس من اللائق أن ترد عليه بصوت منخفض وإن كان ردك بأكثر مما سلم ولهذا لما دخل رجل على ابن عمر رضي الله عنهما فسلم بصوت منخفض قال له ارفع صوتك فإنها تحية مباركة طيبة, وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال(( يدخل الجنة أقوام أفئدتهم أفئدة الطير )). وذلك لرقتها ورحمتها في تحسن لمن أحسن إليها, وبهذا تعرف أن الرحمة التي تكون في القلوب هي سبب لدخول الجنة التي هي مطلب كل مسلم ومسلمة.وأيضاً قال العلماء رحمهم الله إنه حينما يهدي إليك شخص هدية وأنت تعرف من حاله أنه يريد أيضاً بالمقابل هدية فهنا قال العلماء يجب أن تهدي له هدية جزاء صنيعه وحسن جميله, وأيضاً حينما تحسن إلى أخيك بظهر الغيب فتدعو له, تجد أن إحسانك له ثمرة يانعة يعود نفعه مباشرة إليك حيث أن الملائكة الأطهار يدعون لك ويقولون (( و لك بمثل )) إنه عرفان وشكر لك على ما أحسنت وبذلت بل قبل ذلك كله دخولك الجنة هو نتيجة إحسانك وصلاح عملك وإن كانت الجنة لا يعادلها عمل عامل في الليل والنهار ولكن رحمة الله يدركها من شاء من عباده وبهذا يا إخواني تعرف عظمة هذه الشريعة الشاملة الصافية الكافية الشافية التي راعت مثل هذه الجوانب ومثل هذه المشاعر فرتبت عليه الأجر والجزيل والفوز الكبير.



الوقفة الخامسة:-



تكلمنا عن الإحسان في صفحات مضت ولعل تساؤلاً يدور في ذهن البعض ما هو الإحسان أو ما المراد بالإحسان وما هو ضابطه ومفهومه؟

والجواب عن هذا التساؤل من الأهمية بمكان وذلك بأن مفهوم الإحسان عند الكثيرين هي قضية مصالح ذاتية أو مشاعر وجدانية فردية لا يشاركه الآخرون, بمعنى أن الكثير من الناس يظن أن الإحسان الصادر من الغير هو الذي وجهه إليه فإذا أحسن إليه أحسن إليه وإن لم يحسن إليه فالأمر كما هو لا تغيير ولا تبديل, وإن البصير واللبيب والذكي والفطن الذي أشرب قلبه بحب الشريعة وما تدور عليها من حكم وأسرار ومصالح ومنافع, يعي كل الوعي و يدرك تمام الإدراك أن الإحسان هو مفهوم شامل واسع ليس على حسابه الشخصي فحسب, فمثلا حين يحسن عمرو إلى زيد ويقدم له منافع في حدود الشرع و منوطه بالعدل وعدم الظلم فإنه في هذه الحالة يجد صالح أنه كما أحسن عمرو إلى زيد فإنه في الحقيقة قد أحسن إلى صالح وذلك لأن أجساد المؤمنين كالجسد الواحد وقلوبهم كقلب رجل واحد يعبدون رباً واحداً له يتجهون وله يتذللون وبين يديه يطرحون, ولهذا تأمل قوله تعالى(( يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ... إلى قوله ولا تلمزوا أنفسكم ... الآية)) فهل يوجد في عالم البشر من يلمز نفسه لكن لما كانت نفوس المسلمين كالنفس الواحدة أصبح من لمز غيرة فكأنه لمز نفسه والنبي صلى الله علية وسلم كما في الصحيحين يقول (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى منه سائر الجسد بالسهر والحمى )) فتبين لنا انه ليس من الضروري أن يكون المحسن لي وحدي بل حتى من أحسن إلى الغير فإنه بمثابة من أحسن إلي فواجبي نحوه أن أبادل إحسانه بمثله فحينما أشاهده أثني عليه وأشجعه وأشد على يديه وأثبته وأدعو له ليسير على هذا المنوال العطر الطيب ولعلي وإياك أن نأخذ مثالاً محسوس ملموس وهو رجال الهيئة الذين يحسنون إلى الناس في حفظ عوراتهم من ذئاب بشرية تترقب غفلة الفتيات وتولي الآباء والأمهات إنهم بهذا الصنيع إلى غيرنا فحفظوا عورات المسلمين, بل الأمر أعظم من ذلك فإنهم في أمرهم المعروف ونهيهم عن المنكر قد أحسنوا إلى المسلمين قاطبة وذلك لأنهم يدفعون العذاب عنهم ونزول البلاء بهم فلهم منا الدعاء الخالص والحب الصادق.



الوقفة السادسة:-



يشتكي الكثير من الشباب لاسيما أهل الصلاح والاستقامة من ظاهرة سيئة وهي الجفاف الحاصل من بعض من يحبون ويوجهون لهم إحسانهم فلا يجدون مقابل ولا رد فعل مساوي وبهذا أوجه نداءين أثنين.



النداء الأول:-



إلى هؤلاء المحسنون الذين بذلوا إلى إخوانهم الحب والحنان والشغفة والرحمة فأحسنوا إليهم أيما إحسان أن يطلبوا الأجر و الثواب من الله وحده دون من سواه كما قال الله (( إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءاً ولا شكوراً)) وإن كان نعذرهم في هذه الحالة مما يحصل في قلوبهم وما يدور في أذهانهم وأفكارهم إلا إننا نسلي أنفسنا بهذه النصوص التي تطلب منا أن نترقب الأجر من الله وحده دون من سواه ونعزي أنفسنا بما أصابه ولاقاه خير عباد الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم حينما لاقى ما لاقى من إساءة اتجاه من أحسن إليه بل ومن أقرب قريب فليصبر المحسن اتجاه هذا البلاء الناتج عن الجفاء من بعض الإخوان والخلان.



النداء الثاني:-



إلى هؤلاء الذين أحسن إليهم من قبل إخوانهم وأصفيائهم أن يتقوا الله عز وجل وأنهم بهذا الصنيع قد تركوا امتثال أمر الله تعالى وأمر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. وأنهم بهذا الفعل القبيح قد خالفوا الفطرة السليمة وصادمو الكون الرهيب الذي كما سلف يحسن لمن أحسن إليه وأيضاً نقول لهم راجعوا أنفسكم وفتشوا عن قلوبكم وعالجوها من أمراضها واطلبوا الدواء للداء والتجئوا إلى الله ليخلصكم من هذا الجفاف وهذا المرض العضال الذي ينتج عنه عواقب و خيمة وسيئة للغاية لا تحمد عقباها ولا يرضاها الرجال ويأبها العقلاء والنبلاء. وفي الختام هذه إشارات وضاءات أحببت بثها ونشرها وطرحها نتيجة ما أراه وأسمعه أو ألامسه من جفوة وغلظة اتجاه من نحسن إليهم, وما يشتكي منه البعض الذين تتألم قلوبهم من هذا الصنيع وتكاد الدموع أن تسقط إن لم تكن سقطت فالله أسأل العفو والعافية والرقة والرحمة في قلوبنا وأن ينفع بهذه الكلمات وأن تعالج هذه الأمراض وأسأله أن يبصرنا في ديننا وأن يصلح حالنا وحال إخواننا ومن نحبهم فيه.


_ أود انا اشير أن هذا الموضوع لأحد أصدقائي ولم ينشر في أي منتدى من قبل وهو عبارة عن كلمة عن الإحسان من تأليفه كان يود عرضها على أحد مشايخه فأنتهزت هذي الفرصة وقمت بطباعتها والإستئذان منه لوضعها في منتدى الأحبة المبارك حتى يكون له يد السبق في نشرها...


_ملاحظة: حقوق النسخ لكل مسلم ومسلمة حتى تعم الفائدة وتصل المعلومة.

seaf5
02 Jul 2005, 10:39 PM
جزاك الله خير اخوي على الموضوع ..
ويعطيك العافيه على المجهود ..
ونتمنى ان نشوف مزيد من مشاركاتك ..

أبوعبدالله
03 Jul 2005, 06:03 AM
كتب الله أجرك

ونفع بك وبموضوعك ووفقك لك خير

أبو طالب الأنصاري
04 Jul 2005, 12:35 AM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

redfox

حياك الله أخي الكريم / أختي الكريمة في ملتقى الأحبة في الله

شكر الله لك على الموضوع الطيب المبارك

وجزى الله الأخ كاتب الموضوع خير الجزاء

وكتب الله أجرك وأجره ونفع بكما